باب في وجوب صلة الرحم وثوابها
( 5 ) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها ( 2554 ) [ 2461 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتْ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بك مِنْ الْقَطِيعَةِ قَالَ : نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ : بَلَى، قَالَ : فَذَاكِ لَكِ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا . ( 2555 ) [ 2462 ] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ : مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ .
ج٦ / ص٥٢٤( 5 ) ومن باب : وجوب صلة الرحم ( قوله : " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم " ) خلق هنا : بمعنى اخترع ، وأصله : التقدير ، كما تقدَّم . والخلق هنا : بمعنى المخلوق ، وأصله مصدر ، يقال : خلق يخلق خلقا : إذا قدر ، وإذا اخترع . قال زهير :
وقال الله تعالى : هَذَا خَلْقُ اللَّهِ أي : مخلوقه . ومعنى فرغ منهم : أي كمل خلقهم ، لا أنه اشتغل بهم ، ثم فرغ من شغله بهم ، إذ ليس فعله بمباشرة ، ولا بمناولة ، ولا خلقه بآلة ، ولا محاولة ، تعالى عما يتوهمه المتوهمون ، وسبحانه إذا أراد شيئا ، فإنما يقول له : كن فيكون . و ( قوله : " قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة " ) هذا الكلام من المجاز المستعمل ، والاتساع المشهور، إذ الرحم عبارة عن قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإن علوا ، وأبنائه وإن نزلوا ، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات ، والأخوال والخالات ، والإخوة والأخوات ، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة .
والقرابة إذا نسبة من النسب ، كالأبوة ، والأخوة ، والعمومة ، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام والكلام ، فيحمل هذا الكلام على التوسع ، ويمكن حمله على أحد وجهين : ج٦ / ص٥٢٥أحدهما : أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة ، فيقول ذلك ، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ، ويكتب ثواب من وصلها ، ووزر من قطعها ، كما قد وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين ، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين . وثانيهما : أن ذلك على وجه التقدير والتمثيل المفهم للإغياء ، وشدة الاعتناء ، فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : لَوْ أَنْـزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثم قال : وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ وعلى التقديرين فمقصود هذا الكلام : الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم ؟ وأنه تعالى قد نزلها منزلة من قد استجار به فأجاره ، وأدخله في ذمته وخفارته ، وإذا كان كذلك فجار الله تعالى غير مخذول ، وعهده غير منقوض ؛ ولذلك قال مخاطبا للرحم : " أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ ! " وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : " من صلى الصبح فهو في ذمة الله ، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء ، فإنَّه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ، ثم يكبه على وجهه في النار " . وقوله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوا إن شئتم : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ عسى : من أفعال المقاربة ، ويكون رجاء وتحقيقا ، قال الجوهري : عسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى : ج٦ / ص٥٢٦عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ وإذا اتصل بعسى ضمير فاعل كان فيها لغتان ، فتح السين وكسرها ، وقرئ بهما ، وظاهر الآية : أنه خطاب لجميع الكفار .
قال قتادة : معنى الآية : فلعلكم - أو يخاف عليكم - إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء . قلت : وعلى هذا فتكون الرحم المذكورة هنا رحم دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله إخوة بقوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقال الفراء : نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية . وعلى هذا فتكون رحم القرابة ، وعلى هذا فالرحم المحرم قطعها ، المأمور بصلتها على وجهين ؛ عامة وخاصة .
فالعامة : رحم الدين ، وتجب مواصلتها بملازمة الإيمان ، والمحبة لأهله ونصرتهم ، والنصيحة لهم ، وترك مضارتهم ، والعدل بينهم ، والنصفة في معاملتهم ، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى ، وحقوق الموتى : من غسلهم ، والصلاة عليهم ، ودفنهم ، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم . وأما الرحم الخاصة : فتجب لهم الحقوق العامة ، وزيادة عليها كالنفقة على القرابة القريبة ، وتفقد أحوالهم ، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم ، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة ، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب كما تقدَّم .