باب النهي عن التجسس والتنافس والظن السيئ
( 7 ) باب النهي عن التجسس والتنافس والظن السيئ وما يحرم على المسلم من المسلم ( 2563 ) ( 28 ) [ 2470 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا . ( 7 ) ومن باب : النهي من التجسس ( قوله : " إياكم والظن ؛ فإنَّ الظن أكذب الحديث " ) الظن هنا هو التهمة ، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها ، كمن يتهم بالفاحشة ، أو بشرب الخمر ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك . ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا : " ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا " ؛ وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء فيريد أن يتجسس خبر ذلك ، ويبحث عنه ، ويتبصر ، ويستمع ليحقق ما وقع له من تلك التهمة ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك .
وقد جاء في بعض الحديث : " إذا ظننت فلا تحقق " وقال الله تعالى : وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا وذلك : أن المنافقين تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحديبية فقالوا : إن محمدا وأصحابه أكلة رأس ، ولن يرجعوا إليكم أبدا . ج٦ / ص٥٣٥فذلك ظنهم السيئ الذي وبخهم الله تعالى عليه ، وهو من نوع ما نهى الشرع عنه ، إلا أنَّه أقبح النوع . فأما الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد المجوزين ، أو بمعنى اليقين فغير مراد من الحديث ، ولا من الآية يقينا ، فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي ، كما قررناه في الأصول .
وقد اختلف في التجسس والتحسس ؟ هل هما بمعنى واحد ، أو بمعنيين ؟ والثاني أشهر . فقيل : هو بالجيم : البحث عن بواطن الأمور ، وأكثر ما يكون في الشر ، ومنه : الجاسوس ، وهو صاحب سر الشر . وبالحاء : البحث عما يدرك بالحس ؟ بالعين أو بالأذن .
وقيل : بالجيم : طلب الشيء لغيرك ، وبالحاء : طلبه لنفسك . قاله ثعلب . والأول أعرف .
و ( قوله : " ولا تنافسوا " ) أي : لا تتباروا في الحرص على الدنيا وأسبابها . وأما التنافس في الخير فمأمور به ، كما قال تعالى : وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ أي : في الجنة وثوابها ، وكأن المنافسة هي الغبطة . وقد أبعد من فسرها بالحسد ، لا سيما في هذا الحديث ، فإنه قد قرن بينها وبين الحسد في مساق واحد ، فدل على أنهما أمران متغايران .