باب الحث على الرفق ومن حرمه حرم الخير
( 19 ) باب الحث على الرفق ومن حرمه حرم الخير ( 2593 ) [ 2500 ] عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَيه مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ . ( 2594 ) ( 78 و 79 ) [ 2501 ] وعنها ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ . زاد في رواية: أن عائشة ركبت بعيرا، فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ .. .
فإن الرفق .. . على نحو ما تقدم . ( 2592 ) ( 74 - 75 ) [ 2502 ] وعن جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال: سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ .
ج٦ / ص٥٧٦و ( قوله : " إن الله رفيق يحب الرفق " ) قد تقرر في غير موضع : أن العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى ، هل الأصل فيها التوقيف ، فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه في كتابه ، أو على لسان رسوله ، أو بجمع الأمة عليه ، أو : الأصل جواز تسميته تعالى بكل اسم حسن ، إلا أن يمنع منه مانع شرعي ؟ الأول لأبي حسن ، والثاني : للقاضي أبي بكر . ومثار الخلاف : هل الألف واللام في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا للجنس ، أو للعهد ؟ ثم إذا تنزلنا على رأي الشيخ أبي الحسن ، هل نقتبس أسماءه تعالى من أخبار الآحاد ، أو لا ؟ اختلف المتأخرون من الأشعرية في ذلك على قولين ، والصحيح قبول أخبار الآحاد في ذلك ، لأن إطلاق الأسماء على الله تعالى حكم شرعي عملي ، فيُكتفى فيه بخبر الواحد والظواهر ، كسائر الأحكام العملية ، فأما معنى الاسم فإن شهد باتصاف الحق به قاطع عقلي ، أو سمعي ، وجب قبوله وعلمه ، وإلا لم يجب . ثم هل يكتفى في كون الكلمة اسما من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار ولا كثرة ، أم لا بد منهما ؟ فيه رأيان ، وقد سبق القول في ذلك .
والرفيق : هو الكثير الرفق ، وهو اللين ، والتسهيل ، وضده العنف ، والتشديد والتصعيب ، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق ، وهو : إعطاء ما يرتفق به ، قال أبو زيد : يقال : رفقت به ، وأرفقته ، بمعنى : نفعته ، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى ؛ إذ هو ج٦ / ص٥٧٧الميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها ، والمعطي لها ، فلا تيسير إلا بتيسيره ، ولا منفعة إلا بإعطائه وتقديره . وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى : التمهل في الأمر والتأني فيه ، يقال منه : رفقت الدابة أرفقها رفقا : إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها ، وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى : الحليم ؛ فإنَّه لا يعجل بعقوبة العصاة ، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة ، ويزداد إثما من سبقت له الشقاوة ، وهذا المعنى أليق بالحديث ؛ فإنَّه السبب الذي أخرجه . وذلك أن اليهود سلموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليك ، ففهمتهم عائشة - رضي الله عنها - فقالت : بل عليكم السام واللعنة .
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث . و ( قوله : " إن الله رفيق يحب الرفق " ) أي : يأمر به ، ويحض عليه ، وقد تقدم أن حب الله للطاعة شرعه لها ، وترغيبه فيها ، وحب الله لمن أحبه من عباده : إكرامه له . و ( قوله : " ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف " ) ويقال بفتح العين ج٦ / ص٥٧٨وضمها ، معناه : إن الله تعالى يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل ، وفي الآخرة من الثواب الجزيل ما لا يعطي على العنف الجائز .
وبيان هذا بأن يكون أمر ما من الأمور سوغ الشرع أن يُتوصل إليه بالرفق وبالعنف ، فسلوك طريق الرفق أولى لما يحصل عليه من الثناء على فاعله بحسن الخلق ، ولما يترتب عليه من حسن الأعمال ، وكمال منفعتها ، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : " ما كان الرفق في شيء إلا زانه " . وضده الخرق والاستعجال ، وهو مفسد للأعمال ، وموجب لسوء الأحدوثة ، وهو المعبر عنه بقوله : " ولا نزع من شيء إلا شانه " . أي : عابه ، وكان له شَينا .
وأما الخرق والعنف : فمفوتان مصالح الدنيا ، وقد يفضيان إلى تفويت ثواب الآخرة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من يحرم الرفق يحرم الخير " . أي : يفضي ذلك به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة .