باب التحذير من الرياء والسمعة
( 2990 ) [ 2545] وعنه ؛ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْجهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ عَمَلًا بِاللَّيْلِ ، ثُمَّ يُصْبِحُ وقَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ . و ( قوله : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ) كذا رواية أكثر الرواة بتقديم الجيم على الهاء منصوبا على الاستثناء ، وهو جمع مجاهر ، اسم فاعل من جاهره بالقول وبالعداوة : إذا ناداه وفاجأه بذلك . ووقع في نسخة شيخنا أبي الصبر : " إلا المجاهرون " بالواو ، رفعا ، وهو جائز ، على أن تحمل ( إلا ) على ( غير ) كما قد أنشده النحويون :
و
( قوله : " وإن من الجهار " ) هذه رواية زهير ، وهي رواية حسنة، لأنَّه ج٦ / ص٦١٨مصدر : جاهر ، الذي اسم الفاعل منه مجاهر ، فيتناسب صدر الكلام وعجزه . ورواه أكثر رواة مسلم : " وإن من الإجهار " فيكون مصدر : أجهر ، أي : أعلن . قال الجوهري : إجهار الرجل : إعلانه ، وعند الفارسي : وإن من الإهجار ، بتقديم الهاء على الجيم ، وهو الإفحاش في القول .
قاله الجوهري . قلت : وهذه الروايات ، وإن اختلفت ألفاظها ، هي راجعة إلى معنى واحد قد فسره في الحديث ، وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية وخلوة ، ثم يخرج يتحدث بها مع الناس ، ويجهر بها ويعلنها ، وهذا من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش . وذلك أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية ، أو مستهين مستهزئ بها ، مصر عليها ، غير تائب منها ، مظهر للمنكر .
والواحد من هذه الأمور كبيرة ، فكيف إذا اجتمعت ؟! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشد الناس بلاء في الدنيا ، وعقوبة في الآخرة ، لأنَّه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلها ، وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله ، وإن كان مرتكب كبيرة فأمره أخف ، وعقوبته - إن عوقب - أهون ، ورجوعه عنها أقرب من الأول ، لأنَّ ذلك المجاهر قلّ أن يتوب ، أو يرجع عما اعتاده من المعصية ، وسهل عليه منها . فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إما معافى مطلقا إن تاب ، وإما معافى بالنسبة إليه إن عوقب ، والله تعالى أعلم .