باب في قوله تعالى ونفْسٍ وما سوّاها فألْهمها فُجُورها وتقْواها
( 4 ) باب في قوله تعالى : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( 2650 ) [ 2576 ] عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدّؤلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؛ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؛ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ . قَالَ : فَقَالَ: فَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؛ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللَّهُ ! إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ ! إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؛ فَقَالَ: لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( 4 و 5 ) ومن باب : في قوله تعالى : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قوله : ( أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه ) الكدح : السعي في العمل لدنيا كان أو لآخرة ، وأصله : العمل الشاق والكسب المتعب .
ج٦ / ص٦٦٢و ( قوله : فلا يكون ظلما ) كذا الرواية بغير ألف استفهام ، وهي مرادة ؛ إذ بالاستفهام حصل فزع المسؤول ، وبه صح أن يكون ما أتى به من قوله : كل شيء خلْق الله وملك يده . إلى آخره . جوابا عما سأله عنه ، ولو لم يكن الاستفهام مرادا لكان الكلام نفيا للظلم ، وهو صحيح وحق ، ولا يفزع من ذلك ولا يستدعي جوابا .
وبيان ما سأله عنه أنه لما تقرر عنده أن ما يعمل الناس فيه شيء قضي به عليهم ، ولا بد لهم منه ، فكأنهم يُلجؤون إليه ، فكيف يعاقبون على ذلك ؛ فعقابهم على ذلك ظلم ، وهذه من شُبه القدرية المبنية على التحسين والتقبيح ، وقد أجاب عن ذلك أبو الأسود ، وأحسن في الجواب ، ومقتضى الجواب أن الظلم لا يُتصور من الله تعالى ، فإنَّ الكل خلقه وملكه ، لا حجر عليه ، ولا حُكم ، فلا يتصور في حقه الظلم لاستحالة شرطه ، على ما بيناه غير مرة ، ثم عضد بقوله : لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ولما سمع عمران هذا الجواب تحقق أنه قد وُفق للحق ، وأصاب عين الصواب ، فاستحسن ذلك منه ، وأخبره أنه إنما امتحنه بذلك السؤال ليختبر عقله ، وليستخرج عمله ، ثم أفاده الحديث المذكور ، ومعناه قد تقدم الكلام عليه . ثم قال : وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا وقوله : وَنَفْسٍ هو قسم بنفوس بني آدم ، ج٦ / ص٦٦٣وأفردها لأن مراده النوع ، وهذا نحو قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ أي : كل نفس . كما قال : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ .
ألا ترى قوله : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا أي : حملها على ما أراد من ذلك ، فمنها ما خُلق للخير ، وأعانها عليه ويسره لها ، ومنها ما خلق للشر ويسره لها ، وهذا هو الموافق للحديث المتقدِّم ، المصدق بالآية . و ( قوله : وَمَا سَوَّاهَا أي : والذي سواها ، وقد قدمنا أن ( ما ) في أصلها لما لا يعقل ، وقد تجيء بمعنى الذي ، وهي تقع لمن يعقل ولما لا يعقل . والتسوية : التعديل .
يعني أنه خلقها مكملة بكل ما تحتاج إليه ، مؤهلة لقبول الخير والشر ، غير أنه يجري عليها في حال وجودها وما لها ما سبق لها مما قضي به عليها . وفي حديث عمران هذا من الفقه جواز اختبار العالم عقول أصحابه الفضلاء بمشكلات المسائل ، والثناء عليهم إذا أصابوا ، وبيان العذر عن ذلك . والذي قضي عليها أنها إما من أهل السعادة وبعمل أهل السعادة الذي به تدخل الجنة تعمل ، وإما من أهل الشقاوة ، وبعمل أهل الشقاوة الذي به تدخل النار تعمل .
كما قال تعالى : " هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، وهؤلاء للنار ، ج٦ / ص٦٦٤وبعمل أهل النار يعملون ، فطوبى لمن قضيتُ له بالخير ، ويسرته عليه ، والويل لمن قضيت عليه بالشر ، ويسرته له " . وما أحسن قول من قال : قِسَم قُسِمت ، ونعوت أجريت ، كيف تُجتلب بحركات ، أو تُنال بسعايات ! ومع ذلك فغيّب الله عنا المقادير ، ومكننا من الفعل والترك ؛ رفعا للمعاذير ، وخاطبنا بالأمر والنهي خطاب المستقلين ، ولم يجعل التمسك بسابق القدر حجة للمقصرين ، ولا عذرا للمعتذرين ، وعلق الجزاء على الأعمال ، وجعلها له سببا ، فقال تعالى : وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وبـ مَا عَمِلَتْ ، وقال في أهل الجنة : جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وقال في أهل النار : جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ وقال : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى وقال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : " يا عبادي إنما هي أعمالكم أردها عليكم ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى ، فلا يلومن إلا نفسه " . وكل ذلك من الله ابتلاء وامتحان ، فيجب التسليم له والإذعان .