حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب شدة عيش النبي صلى الله عليه وسلم

( 18 و 19 ) [ 2710 ] وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا . وفي رواية : كفافا . و ( قوله صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ) أي : كفافا ، كما جاء في الرواية الأخرى ، ويعني به : ما يقوت الأبدان ويكف عن الحاجة والفاقة ، وهذا الحديث حجة لمن قال : إن الكفاف أفضل من الغنى والفقر ، وقد تقدمت هذه المسألة في الزكاة .

ووجه التمسك بهذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال ، وأيضًا : فإنَّ الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : خير الأمور أوساطها . وأيضًا : فإنَّ هذه الحال سليمة من آفات الغنى ، وآفات الفقر المدقع ، فكانت أفضل منها ، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير ؛ إذ لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها ، فكانت حاله إلى الفقر أقرب ، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر ، وكُفي مرارته وآفاته . لا يقال : فقد كانت حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر الشديد المدقع ، كما دلت عليه أحاديث هذا الباب وغيرها ، ألا ترى أنه يطوي الأيام ، ولا يشبع يومين متواليين ، ويشد على بطنه الحجر من الجوع والحجرين ، ولم يكن له سوى ثوب واحد ، فإذا غسله انتظره إلى أن يجف ، وربما خرج وفيه بقع الماء ، ومات ودرعه مرهونة في شعير لأهله ، ولم يخلف دينارا ولا درهما ، ولا شاة ، ولا بعيرا ، ولا حالة في الفقر أشد من هذه ، وعلى هذا فلم يكن حاله الكفاف ، بل : الفقر .

فلم يجبه الله تعالى في الكفاف ؛ لعلمه بأن الفقر أفضل له ؛ لأنَّا نقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع له حال الفقر والغنى والكفاف ، فكانت أول أحواله الفقر ؛ مبالغة في مجاهدة النفس وخطامها عن مألوفات عاداتها ، فلما حصلت له ملكة ملكها وتخلص له خلاصة سبكها ، خيره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهبا تسير معه حيث سار ، فلم يلتفت إليها ، وجاءته فتوحات الدنيا فلم يعرج عليها ، بل صرفها وانصرف عنها ، حتى قال : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود فيكم . وهذه حالة الغني الشاكر ، ثم اقتصر من ذلك كله على قدر ما يرد ضروراته وضرورات عياله ، ويرد حاجتهم ، فاقتنى أرضه بخيبر ، وكان يأخذ منها قوت عياله ويدخره لهم سنة ، فاندفع عنه الفقر المدقع ، وحصل الكفاف الذي دعا به ، ثم إنه لما احتضر وقف تلك الأرض على أهله ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه ، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده ، وعلى ذلك المنهج نهج الخلفاء الراشدون على ما تدل عليه سيرهم وأخبارهم . وعلى هذا فأهل الكفاف هم صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ؛ لأنَّهم وسطهم ، والوسط : العدل .

وليسوا من الأغنياء كما قررناه ، فاقتضى ذلك ما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث