باب في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة ولا قذر فيها ولا نقص
( 12 ) باب في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة ولا قذر فيها ولا نقص 2834 ( 14 - 17 ) [ 2753 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن أَوَّل زُمْرَةٍ يدخلون الْجَنَّةَ - في رواية : مِنْ أُمَّتِي - عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كوكب دري فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً ( في رواية : ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ ) لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يتفلون وَلَا يَمْتَخِطُونَ . أَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ - في رواية : والفضة - وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمْ الْأَلُوَّةُ ، وأزواجهم الحور العين . وفي رواية : لكل واحد منهم زوجتان ، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف ولا تباغض ، قلوبهم قلب واحد ، يسبحون الله بكرة وعشيا .
وفي رواية : أخلاقهم على خلق رجل واحد ، على طول أبيهم . وفي رواية : على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء . وقال أبو كريب : على خلق رجل .
وقال أبو هريرة حين تذاكروا ألرجال أكثر في الجنة أم النساء ؟ فقال : لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان ، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم ، وما في الجنة أعزب . 2835( 18 و 20 ) [ 2754 ] وعن جابر ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون . قالوا : فما بال الطعام ؟ قال : جشاء ورشح كرشح المسك ، يُلهمون التسبيح والتحميد - وفي رواية : والتكبير - كما يُلهمون النفس .
ج٧ / ص١٧٩و ( قوله : " أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر " ) الصورة بمعنى الصفة ، يعني : أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه وكماله ، وهي ليلة أربعة عشر ، وبذلك سمي القمر بدرا في تلك الليلة ، ومقتضى هذا أن أبواب الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم . و ( قوله : " لا يبولون ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ، ولا يمتخطون " ) إنما لم تصدر هذه الفضلات عن أهل الجنة ؛ لأنَّها أقذار مستخبثة ، والجنة منزهة عن مثل ذلك ، ولما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال ، لم يكن لها فضلة تستقذر ، بل تستطاب وتستلذ ، وهي التي عبر عنها بالمسك ، كما قال : " ورشحهم المسك " . وقد جاء في لفظ آخر : لا يبولون ولا يتغوطون ، وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك " يعني : من أبدانهم .
ج٧ / ص١٨٠و ( قوله : " أمشاطهم الذهب والفضة ، ومجامرهم الألوة " ) يقال هنا : أي حاجة في الجنة للأمشاط ، ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ ، وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك ؟ ويجاب عن ذلك : بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم ، فليس أكلهم عن جوع ، ولا شرابهم عن ظمأ ، ولا تطيبهم عن نتن ، وإنما هي لذات متوالية ، ونعم متتابعة ، ألا ترى قوله تعالى لآدم : إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا ، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله كما قدمناه . وقد تقدَّم الكلام في الألوة وفي لغاتها ، وأنها : العود الهندي ، في كتاب الطب . و ( قوله : " وأزواجهم الحور العين " ) الحور : جمع حوراء .
والحَوَر في العين : شدة بياضها في شدة سوادها . هذا المعروف . قال أبو عمرو : الحَوَر أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر ، [ وليس في بني آدم حور ، وإنما قيل للنساء : حور العين ؛ لأنهن تشبهن بالظباء والبقر ] .
قال الأصمعي : ما أدري ما الحور في العين . والعِين : جمع عيناء ، وهي : الواسعة العين . وفي الصحاح : رجل أعين : واسع العين ، والجمع : عين ، وأصله فُعل ، بالضم ، ومنه قيل لبقر الوحش : عين ، والثور أعين ، والبقرة عيناء .
و ( قوله : " لكل واحد منهم زوجتان " ) يعني : أن أدنى من في الجنة درجة له زوجتان ، إذ ليس في الجنة أعزب ، كما قال . وأما غير هؤلاء فمن ارتفعت منزلته ج٧ / ص١٨١فزوجاتهم على قدر درجاتهم ، كما يأتي في قوله : " في الجنة درة طولها ستون ميلا ، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين " . وبهذا يعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع رجال بني آدم ، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم ، وعن هذا قال صلى الله عليه وسلم : " أقل ساكني الجنة نساء ، وأكثر ساكني جهنم النساء " يعني : نساء بني آدم هن أقل في الجنة وأكثر في النار .
و ( قوله : " يرى مخ ساقها من وراء اللحم " ) يعني : من شدة صفاء لحم الساقين ، فكأنه يرى مخ الساقين من وراء اللحم ، كما يرى السلك في جوف الدرة الصافية . و ( قوله : " قلوبهم قلب واحد " ) أي : كقلب واحد ، يعني : أنها مطهرة عن مذموم الأخلاق ، مكملة بمحاسنها ، فلا اختلاف بينهم ، ولا تباغض . و ( قوله : " يسبحون الله بكرة وعشيا " ) هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام ، لأن الجنة ليست محل تكليف ، وإنما هي محل جزاء ، وإنما هو عن تيسير وإلهام ، كما قال في الرواية الأخرى : " يُلهمون التسبيح والتحميد والتكبير ، كما تلهمون النفس " .
ووجه التشبيه : أن تنفس الإنسان لا بد له منه ، ولا كلفة ولا مشقة عليه في فعله . وآحاد التنفيسات مكتسبة للإنسان ، وجملتها ضرورية في حقه ، إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس ، ولا يتمكن من جميعها ، فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة ، وسر ذلك : أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته ، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته ، وقد غمرتهم سوابغ نعمته ، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته . فألسنتهم ملازمة ذكره ، ورهينة بشكره ، فإنَّ من أحب شيئا أكثر من ذكره ، وقد تقدم : أن أوقات الجنة من الأيام والساعات تقديريات .
ج٧ / ص١٨٢و ( قوله : " أخلاقهم على خلق رجل واحد " ) قد ذكر مسلم اختلاف الرواة في تقييد خلق ؛ هل هو بفتح الخاء وسكون اللام ، أو بضمها ؟ وكذلك اختلف فيه رواة البخاري ، والذي يناسب ما قبله الضم ، فيكون معناه : أن أخلاقهم متساوية في الحسن والكمال . كلهم كريم الخلق ؛ إذ لا تباغض ، ولا تحاسد ، ولا نقص ، ويشهد له قوله فيما تقدَّم : " قلوبهم قلب واحد " . و ( قوله : " على طول أبيهم آدم ، أو على صورة أبيهم " ) استئناف خبر آخر عنهم ، ويحتمل أن يريد به الخلق ، بالفتح والسكون ، ويكون قوله " على طول أبيهم " وما بعده مفسرا لذلك الخلق ، والأول أولى لما ذكرناه ، ولأنا إذا حملناه عليه استفدنا منه فائدتين ، ومن الوجه الثاني فائدة واحدة ، وحمل كلام الشارع والفصحاء على تكثير الفوائد أولى ، كما قررناه في الأصول .
و ( قوله : " ستون ذراعا في السماء " ) أي : في الارتفاع ، وكل ما علاك فهو سماء ، ويعني بذلك : أن الله تعالى أعاد أهل الجنة إلى خلقة أصلهم الذي هو آدم ، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة ، وكان طوله فيها ستين ذراعا في الارتفاع ، من ذراع نفسه ، والله أعلم . ويحتمل أن يكون ذلك الذراع مقدرا بأذرعتنا ج٧ / ص١٨٣المتعارفة عندنا . ثم لم يزل خَلق ولده وطولهم ينقص ، كما جاء في الرواية الأخرى .