ومن سورة اقرأ باسم ربك
( 38 ) ومن سورة اقرأ باسم ربك 2797 [ 2932 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قَالَ : فَقِيلَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ ، قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ - لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، قَالَ : فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ ، قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ : كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى إلى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ ، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى قوله : سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلا لا تُطِعْهُ وقال : وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ . في رواية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ يَعْنِي قَوْمَهُ . ج٧ / ص٤٣٣( 38 ) ومن سورة اقرأ تعفير الوجه : تتريبه .
وينكص على عقبيه : يرجع القهقرى وراءه . و ( قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي : اذكر اسم ربك بالتوحيد والتعظيم . والباء صلة .
قاله أبو عبيدة ، وقيل عنه : الاسم صلة . أي : بعونه وتوفيقه ، وأشبه منهما أن يقال : إن معناه : ابتدئ القراءة ببركة اسم ربك وعونه ، وخلق : أي : آدم - عليه السلام - من تراب . و﴿خلق الإنسان من علق ﴾: يعني ولده ، والعلق : الدم .
جمع علقة ، وسميت بذلك لتعلقها بما مرت عليه ، وأنشدوا :
قلت : ( ما ) لإبهامها للعموم ؛ إذ الله تعالى علم كل واحد من نوع الإنسان ما لم يكن يعلم ، لكن الامتنان إنما يحصل بالعلوم النافعة لا غير ، فهي المقصودة بهذا العموم ، والله أعلم . ج٧ / ص٤٣٤وقد تقدَّم أن أول ما نزل من القرآن من أول هذه السورة إلى آخر هذه الآية ، ثم بعد آماد نزل قوله : كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى فهذا نمط آخر افتُتح الكلام به ، ولذلك قال أبو حاتم : إن ( كلا ) هنا بمعنى ( ألا ) التي للاستفتاح . وقال الفراء : إنها تكذيب للمشركين .
وقول أبي حاتم أولى . والإنسان هنا : أبو جهل . و ( ليطغى ) أي : تكبر وارتفع حتى تجاوز المقدار والحد .
و ( أن رآه استغنى ) أي : من أجل استغنائه بماله وشدته ، وعشيرته ، وعلى هذا فالضمير عائد إلى أبي جهل ، أعني : الضمير في ( رآه ) . وقيل : هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم ؛ أي : أن أبا جهل طغى وتجاوز الحد في حسده لمحمد صلى الله عليه وسلم ، من أن استغنى محمد صلى الله عليه وسلم بربه ، وبما منحه من فضله عن كل أحد من جميع خلقه . و ( قوله : إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أي : الرجوع إليه يوم القيامة ، فيجازي كلا بفعله .
و ( قوله : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى يعني به : أبا جهل ، نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يصلي ، وقال ما ذكره في الحديث ، و( أرأيت ) هذه فيها معنى التعجب ، فكأنه قال : اعجب من هذا الجاهل الضعيف العقل ، كيف ينهى عن عبادة الله تعالى مثل محمد صلى الله عليه وسلم . و ( قوله : أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى قيل : هو خطاب لأبي جهل ، وهو خطاب توبيخ له واحتجاج عليه ، فكأنه قال : أخبرني أيها المناع لمحمد من العبادة إن كان محمد على الهدى ، أو أمر بالتقوى ، فصددته ج٧ / ص٤٣٥عن ذلك ، ألم تعلم أن الله يراك ، وهو قدير على أخذك ومعاقبتك ؟ ! وقيل : جوابه محذوف ، تقديره : ألست تستحق من الله النكال والعقاب ؟ ثم أخذ بعد هذا في تهديده ووعيده ، فقال : ( كلا ) أي : ويل له وهلاك . و ( قوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ) هذا قسم من الله تعالى على تعذيبه ، وإهلاكه إن لم يؤمن .
ومعنى : " لنسفعا " : لنأخذن ولنجذبن . والناصية : شعر مقدم الرأس ، وهذا الوعيد مثل قوله تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ثم وصف ناصيته بأنها كاذبة خاطئة ، والمقصود : صاحبها . و ( قوله : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ) أي : إذا أخذناه فلينتصر بأهل مجلسه إن صح له ذلك .
والنادي : المجلس ، وأراد به أهل ناديه ، ويقال عليهم : الندي . و ( قوله : سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) أي : لتعذيبه ، وهم خزنة النار الموكلون بتعذيب الكفار ، وهم الملائكة الذين قال الله فيهم : عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وسُموا زبانية من الزبن ، وهو الدفع ؛ لشدة دفعهم وبطشهم . قال الشاعر : .
زبانية غُلْبٌ عِظام كُلومها ج٧ / ص٤٣٦و ( قوله : كَلا لا تُطِعْهُ ) تأكيد زجر لأبي جهل ، ونهي لمحمد صلى الله عليه وسلم عن طاعته في ترك الصلاة ، وفيما يأمر به وينهى عنه . و وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) أي : صل لله ، وتقرب إليه بعبادته وأفعال البر ، وقد تكلمنا على سجود القرآن في كتاب الصلاة .