حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار

حديث أبي مسعود الأنصاري في إمامة جبريل للنبي وحديث عائشة في صلاة النبي بحجرتها العصر

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ . 1 - كِتَابُ وَقُوتِ الصَّلَاةِ ( 1 ) بَابُ وُقُوتِ الصَّلَاةِ 1 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى ؟ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ صَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا عُرْوَةُ ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الَّذِي أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ .

2
قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ، زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُولَاللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ .
26
قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ ،صَحِيحٌ ، مُسْنَدٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ .
27
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ أَنَّ ( أَنَّ ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَعَنْ ، وَأَنَّ السَّنَدَ الْمُعَنْعَنَمَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ حَتَّى يُبَيَّنَ الِانْقِطَاعُ ، وَقَدْ بَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اتِّصَالُهُ لِمُجَالَسَةِ بَعْضِ رُوَاتِهِ بَعْضًا .
28
وَقَدْ ذَكَرْنَا مُشَاهَدَةَ ابْنِ شِهَابٍ لِلْقِصَّةِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِشِهَابٍ : مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ .
29
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَادِيثَهُمْ وَرِوَايَاتِهِمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - كَمَا وَصَفْتُ لَكَ - فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ ، وَفِي رِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَخَّرَهَا الْمُغِيرَةُ هِيَ تِلْكَ أَيْضًا .
30
وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي أَوْقَاتِهِنَّ عَلَى مَا فِي ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ أَيْضًا .
31
وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَدُلُّ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى بِرَسُولِ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتَيْنِ ، فَتَكُونُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ .
32
وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّاسَ صَلَّوْا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ .
33
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ وُجُوهٍ .
34
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، فَفِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ صَلَّى بِهِ مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِعَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
35
وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِي وَقْتِ الْإِسْرَاءِ، وَكَيْفَ كَانَ فَرْضُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ .
36
وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْآثَارُ ، وَلَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ وَالسِّيَرِ أَنَّ الصَّلَاةَ إِنَّمَا فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمَكَّةَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ مِنَ الْغَدِ ، فَصَلَّى بِهِ الصَّلَوَاتِ لِأَوْقَاتِهَا ; إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هَيْئَتِهَا حِينَ فُرِضَتْ .
37
فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ،ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، فَأُكْمِلَتْ أَرْبَعًا .
38
وَمِنْ رُوَاةِ حَدِيثِنَا هَذَا مَنْ يَقُولُ : زِيدَفِيهَا بِالْمَدِينَةِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ .
39
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، فِي رِوَايَةٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
40
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِيالْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ .
41
وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - وَكَانَ أَحَدَ عُلَمَاءِ قُرَيْشٍ بِالنَّسَبِ ، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ ، وَالْفِقْهِ ، وَهُوَ رَوِايَةٌ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَيَرْوِي عَنْهُ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي أَوَّلِ مَا فُرِضَتْ أَرْبَعًا إِلَّا الْمَغْرِبَ ، فَإِنَّهَا فُرِضَتْ ثَلَاثًا ، وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ .
42
وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ .
43
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيِّ مَايَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ .
44
وَوَضَعَ لَا يَكُونُ إِلَّامِنْ تَمَامٍ قَبْلَهُ .
45
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِقَالَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ .
46
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرْنَا عِلَّةَ إِسْنَادِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .
47
فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ كَانَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى اثْنَتَيْنِ، وَعَلَى أَنَّ الْأَصْلَ كَانَ أَرْبَعًا لَا رَكْعَتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
48
فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَهُوَ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ الْقُشَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ ،وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى أَصْلِ الْفَرْضِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْقَصْرِ .

وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ يُعَارِضُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَصْرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنَ السَّفَرِ فِي الْأَمْنِ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ أَوْضَحَ أَنَّ الصَّلَاةَ زِيدَ فِيهَا فِي الْحَضَرِ . 49 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَرْضَ فِيهَا كَانَ بِمَكَّةَ وَالزِّيَادَةَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ مُتَأَخِّرَةٌ ، فَلَمْ يَكُنِ الْقَصْرُ مُبَاحًا إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْفَرْضِ ، وَذَلِكَ يَعُودُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ فِي أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ أَرْبَعًا .

50
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِكَيْسَانَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
51
وَقَدْ مَضَى فِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَقْبِلُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ عَنِ السَّلَفِ مَرْوِيَّيْنِ :
52
( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بِمَكَّةَ الْكَعْبَةَ لِصَلَاتِهِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ، فَلَمَّاقَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ .

53 - وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي ؛ لِمَا حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَا نَسَخَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ : الْقِبْلَةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْيَهُودُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا . وَكَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ ، وَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا إِلَى قَوْلِهِ : فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ، يَعْنِي نَحْوَهُ ، فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ ، وَقَالُوا : مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، وَقَالَ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ، وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . 54 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِيُمَيِّزَ أَهْلَ الْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ .

55
وَقَالَ تَعَالَى : وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، يَعْنِيتَحْوِيلَهَا عَلَى أَهْلِ الشَّكِّ ، لَا عَلَى الْخَاشِعِينَ يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ .
56
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَدَّادُ بِبَغْدَادَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَاجَعْفَرٌ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ كَانَتْ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوهَا عَمْدًا .
57
وَقَوْلُهُ : وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ : يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ- عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَيَكْتُمُونَ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ .
58
ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يَقُولُ :لَا تَكُنْ فِي شَكٍّ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَتُكَ ، وَكَانَتْ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ .
59
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُقِبْلَتَهُ ، وَكَانَتِ الصَّخْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ الْيَهُودُ : بَيٌّ ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَسْجِدُ صَالِحٍ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ .
60
فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ : فَإِنِّيصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِ صَالِحٍ وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ .
61
قَالَ الرَّبِيعُ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ أَنَّهُرَأَى مَسْجِدَ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَقِبْلَتُهُ الْكَعْبَةُ .
62
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ فِي حِينِ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ بَيْتَالْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا .
63
وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي تَارِيخِ صَرْفِ الْقِبْلَةِ هُنَاكَ أَيْضًا ، وَيَأْتِي ذَلِكَ مُجَوَّدًا فِي مَوْضِعِهِ فِي هَذَاالْكِتَابِ ، عِنْدَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
64
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَعْرَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُطَارِدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي ، فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنُ مَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ يَنْظُرُ : فَوَضَّأَ وَجْهَهُ ، وَاسْتَنْشَقَ ، وَمَضْمَضَ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَنَضَحَ فَرْجَهُ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .
65
وَهَذَا إِنَّمَا أَخَذَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ - وَاللَّهُأَعْلَمُ - مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ .
66
وَهُوَ حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءِ أَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ .
67
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَإِلَيْهِ ، أَيْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ .
68
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْيُصَلِّ صَلَاةً قَطُّ بِغَيْرِ طَهُورٍ .
69
وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدِيثِ عِقْدِ عَائِشَةَ حِينَ فَقَدُوا الشَّمْسَوَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ : فَنَزَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ .
70
وَآيَةُ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةًفَإِنَّمَا كَانَ سَبَبَ نُزُولِهَا التَّيَمُّمُ .
71
وَسَنُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوْضِعِهِ فِيهَذَا الْكِتَابِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
72
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَقُلْ نَزَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِفِرَارًا مِنْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِغَيْرِ وُضُوءٍ مَعَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ .
73
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ نَقْلِ الْآحَادِ الْعُدُولِفِي ذَلِكَ - قَوْلُهُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ .
74
حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَاقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ .
75
وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ كَيْفَ كَانَ وَجْهُ تَأْخِيرِ بَنِي أُمَيَّةَ لِلصَّلَاةِ ، وَذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ مُسْنَدًاوَغَيْرَ مُسْنَدٍ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى .
76
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ بِدِمَشْقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زَرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَيَسْتَحْلِفُونَ النَّاسَ أَنَّهُمْ مَا صَلَّوْا ، فَأُتِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا فَاسْتُحْلِفَ أَنَّهُ مَاصَلَّى ، فَحَلَفَ : مَا صَلَّى ، وَقَدْ كَانَ صَلَّى ، وَأُتِيَ مَكْحُولٌ فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : فَلِمَ جِئْنَا إِذًا ؟ فَذَكَرَ سُنَيْدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ - وَأَخَّرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّلَاةَ - ، فَرَأَيْتُهُمَا يُومِئَانِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ جَلَسْنَا حَتَّى صَلَّيَا مَعَهُ .
77
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، قَالَ : كَانَالْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الْجُمُعَةَ ، فَكُنْتُ أُصَلِّي أَنَا وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الظُّهْرَ ، ثُمَّ نَتَحَدَّثُ وَهُوَ يَخْطُبُ ، ثُمَّ نُصَلِّي وَنَجْعَلُهَا نَافِلَةً .
78
قَالَ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ ، قَالَ : قُلْتُ لِشَقِيقٍ: إِنَّ الْحَجَّاجَ يُمِيتُ الْجُمُعَةَ ، قَالَ : تَكْتُمُ عَلَيَّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ .

قَالَ : صَلِّهَا فِي بَيْتِكَ لِوَقْتِهَا ، وَلَا تَدَعِ الْجَمَاعَةَ . 79 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَطَالَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الْخُطْبَةَ فَنَكَأْتُ يَدِي حَتَّى أَدْمَيْتَهَا ، ثُمَّ قُمْتُ وَخَرَجْتُ وَأَخَذَتْنِي السِّيَاطُ ، فَمَضَيْتُ . 80 - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ ، وَزِيَادًا ، وَغَيْرَهُمَا أَخَّرُوهَا قَبْلُ .

81
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ الزَّعْفَرَانِيُّ عَمَّارُ بْنُ عُمَارَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِيصَالِحُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ، فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلُّوا إِلَى الْقِبْلَةِ .
82
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُبْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدٍ ، قَالَ : وَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَأَنْكَرْتُ حَالَهُ فِي الْعَصْرِ .
83
وَقَدْ أَوْضَحْنَا جَهْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ - بِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ وَأَنَّهُمَا إِنَّمَا جَهِلَا مِنْ ذَلِكَ نُزُولَ جِبْرِيلَ بِفَرْضِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ مِنْسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ آيَةٌ مُفْصِحَةٌ بِذَلِكَ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ آيَةٌ تُتْلَى مَا جَهِلَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَا مِثْلُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
84
وَقَدْ جَازَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ جَهْلُ كَثِيرٍمِنَ السُّنَنِ الْوَارِدَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ خَاصَّةِ الْعُلَمَاءِ .
85
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا وَقَدْ شَذَّ عَنْهُ بَيْنَ عِلْمِ الْخَاصَّةِ وَارِدَةٌ بِنَقْلِ الْآحَادِأَشْيَاءَ حَفِظَهَا غَيْرُهُ ، وَذَلِكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ أَجْوَزُ ، وَالْإِحَاطَةُ مُمْتَنِعَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ .
86
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِمِنْ فَرَائِضِهَا ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتِهَا .

وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ ، فَلَمْ نَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدِي عَنْهُمْ . وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى خِلَافُهُ بِمَا يُوَافِقُ الْجَمَاعَةَ فَصَارَ اتِّفَاقًا صَحِيحًا . 87 - وَالْوَقْتُ أَوَّلُ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوُضُوءَ لَهَا إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَالْمُتَوَضِّئُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُتَبَرِّعٌ مُبَادِرٌ إِلَى فَضْلٍ ، وَمُتَأَهِّبٌ لِفَرْضٍ .

88
وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَوْقَاتَ أَيْضًا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَالْإِجْمَاعِ -قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا .
89
قَالَ مَالِكٌ : أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ يَعْنِي( الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ) إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءِ ، وَقُرْآنَ الْفَجْرِ يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ .
90
وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ مِنْهُمُ: ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .

91 - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . ( فَحِينَ تُمْسُونَ ) : الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ، وَ( حِينَ تُصْبِحُونَ ) : الصُّبْحُ وَعَشِيًّا : الْعَصْرُ ، وَحِينَ تُظْهِرُونَ : الظُّهْرُ . 92 - ثُمَّ قَالَ : وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ .

93
وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ جَاءَ عَنِ السَّلَفِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ بِهِ ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ فَإِنَّمَايُرَادُ بِهِ الذِّكْرُ : قَوْلُ ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) وَهِيَ كَلِمَةُ تَنْزِيهِ اللَّهِ - تَبَارَكَ اسْمُهُ - عَنْ كُلِّ مَا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ .
94
وَكَذَلِكَ ظَاهَرُ قَوْلِهِ : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ لَوْ تُرِكْنَا ، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ لَوَجَبَتِ الصَّلَاةُ مِنَ الزَّوَالِعِنْدَ مَنْ جَعَلَ دُلُوكَهَا زَوَالَهَا إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ، فَلَيْسَ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ وَاضِحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ .
95
وَأَصْبَحَ ذَلِكَ نُزُولَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ مُفَسَّرَةً ، وَهِيَ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلَةً .
96
وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مُجْمَلَاتٌ أَوْضَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَهَا، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ .
97
فَبَيَّنَهَا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، فَمِنْ بَيَانِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا نَقَلَهُ الْآحَادُالْعُدُولُ ، وَمِنْهَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ، فَقَطَعَ الْعُذْرَ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .
98
وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا عِلْمُهُ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ .
99
أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ وَوَسَطِ الْقِبْلَةِ إِذَا اسْتُوقِنَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ بِالتَّفَقُّدِ وَالتَّأَمُّلِ ، وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ زِيَادَةِ الظِّلِّ بَعْدَتَنَاهِي نُقْصَانِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَإِنْ كَانَ الظِّلُّ مُخَالِفًا فِي الصَّيْفِ لَهُ فِي الشِّتَاءِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ زَوَالُ الشَّمْسِ بِمَا ذَكَرْنَا أَوْ بِغَيْرِهِ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ .
100
هَذَا مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْعُلَمَاءُ : أَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ وَقْتُ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِوَدُلُوكُهَا مَيْلُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : دُلُوكُهَا : غُرُوبُهَا ، وَاللُّغَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ .
101
وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوهَا بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَكُونَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ، عَلَى مَاكَتَبَ بِهِ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَيْفًا وَشِتَاءً .
102
وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنْ أَحَبَّ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ : الْبَدَارُإِلَيْهَا فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّهُ يُبْرَدُ بِهَا .
103
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : قَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ الْوَقْتِأَفْضَلُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ .
104
وَفِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ .
105
وَسَنُبَيِّنُ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عُمَرَبَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
106
وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الْغُدُوِّ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ .
107
وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُالْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ .
108
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُواالْعَصْرَ بَعْدَ هَذَا الْمِقْدَارِ قَلِيلًا .
109
وَهَذَا كُلُّهُ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لِأَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ ،وَأَمَّا أَهْلُ الضَّرُورَاتِ وَمَنْ لَهُمُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأَوْقَاتِ فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِمْ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
110
وَفِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ ( آخِرَ ) وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ؛لِأَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ .
111
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : آخَرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، إِلَّاأَنَّ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَاصِلَةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَزِيدَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةً عَلَى الْمِثْلِ .
112
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِيالنَّوْمِ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى .
113
وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِيمَا عَدَا الصُّبْحِ لِلْإِجْمَاعِ فِيالصُّبْحِ أَنَّهَا يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ .

فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْأُخْرَى فَلَا . 114 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ . 115 - وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ .

116
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ .
117
وَلَمْ يَذْكُرُوا فَاصِلَةً ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ: ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ يَقْتَضِي الْفَاصِلَةَ .
118
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَخَالَفَالْآثَارَ وَالنَّاسَ ، لِقَوْلِهِ بِالْمِثْلَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ .

119 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ قَالَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ . وَلَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ . 120 - فَتَرَكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا مُفْرَدًا لَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا ، وَهَذَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ أَيْضًا .

121
وَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَا ذَكَرْنَا فِيهِ ، وَمِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى مَاوَصَفْنَاهُ ، وَمِنْ قَوْلِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا فِي مُرَاعَاةِ الْمَيْلِ مِنَ الظِّلِّ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ ، وَهُوَ كُلُّهُ مَعْنًى مُتَقَارِبٌ .
122
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَوَّلُ وَقْتِالْعَصْرِ مِنْ حِينِ يَصِيرُ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ .
123
وَهَذَا خِلَافُ الْآثَارِ ، وَخِلَافُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ قَوْلٌ- عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ - مَهْجُورٌ .
124
وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِأَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ .
125
وَهَذَا عِنْدَنَا مَحْمُولٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، وَمَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَنَقِيَّةً فَهُوَ وَقْتٌ مُخْتَارٌ أَيْضًا لِصَلَاةِ الْعَصْرِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ .
126
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ فَقَدْ صَلَّاهَافِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَهُمُ اسْتِحْبَابٌ .
127
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ : أَنْيَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ .
128
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ابْنُهُ : الْقَامَتَانِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ مَذْكُورَتَانِعَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ .
129
قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍوَأَصْحَابِهِ ، وَبِهِ نَأْخُذُ .
130
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَذْكُرُ الْقَامَتَيْنِفِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ .
131
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ: آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ .
132
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ :الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ آخِرُ وَقْتِهِمَا غُرُوبُ الشَّمْسِ .
133
وَهَذَا كُلُّهُ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ : كَالْحَائِضِ ،وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَمَنْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ .
134
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ صَلَّاهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَجْزَأَهُ ، وَأَحَبُّإِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ .
135
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي الصَّيْفِ إِذَا جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ ، وَمَنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى يُجَاوِزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِي الصَّيْفِ ، أَوْ قَدْرَذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَاتَهُ وَقْتُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا كَمَا جَازَ عَلَى الَّذِي أَخَّرَ الظَّهْرَ إِلَى أَنْ جَاوَزَ ظَلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ .
136
قَالَ : وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُقَالَ : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ .
137
وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الْأَحَادِيثُ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ،مَعَ حَدِيثِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا .
138
وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تُسْتَعْمَلُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا ،وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ .
139
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : وَقْتُ الْعَصْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّكُلِّ شَيْءٍ قَامَتَهُ فَيَزِيدُ عَلَى الْقَامَةِ إِلَى أَنْ تَتَغَيَّرَ الشَّمْسُ .
140
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : أَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُبَعْدَ الزَّوَالِ ، وَزَادَ عَلَى الظِّلِّ زِيَادَةً تَتَبَيَّنُ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ .
141
وَقَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : آخِرُوَقْتِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ .
142
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِأَنْ يُدْرِكَ الْمُصَلِّي مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ .
143
وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ لِكُلِّ النَّاسِ : مَعْذُورٌ وَغَيْرُ مَعْذُورٍ ،صَاحِبُ ضَرُورَةٍ وَصَاحِبُ رَفَاهِيَةٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ غَيْرُهُ .
144
وَعِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِأَيْضًا : أَوَّلُ الْوَقْتِ .
145
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ رَكَعَ رَكْعَةً قَبْلَغُرُوبِهَا ، وَرَكْعَةً بَعْدَ غُرُوبِهَا فَقَدْ أَدْرَكَهَا .
146
وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَنْأَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ .
147
وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بَعْدَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ .
148
فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌعِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ، وَبِهَذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ .
149
إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُوَطَّإ : فَإِذَا غَابَالشَّفَقُ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ .
150
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَابْنُ حَيٍّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُوثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : آخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَغِيبُ الشَّفَقِ ، وَالشَّفَقُ عِنْدَهُمُ الْحُمْرَةُ .
151
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَمِثْلُهُ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهَا عِنْدَ سُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ وَالنَّاسُ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَالْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : احْمَرَّتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ سُقُوطُ الشَّفَقِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ لَهُ : الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ .
152
وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَ الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثَبُرَيْدَةَ وَغَيْرَهُمَا بِهَذَا الْمَعْنَى فِي التَّمْهِيدِ .
153
قَالُوا : وَهَذِهِ الْآثَارُ أَوْلَى مِنْ آثَارِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ; لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ بِالْمَدِينَةِ ،وَإِمَامَةُ جِبْرِيلَ كَانَتْ بِمَكَّةَ ، وَالْآخِرُ مِنْ فِعْلِهِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ .
154
وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ،وَفِيهِ : وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ .
155
وَحَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ قَالَ : لَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ .
156
وَالشَّاهِدُ :النَّجْمُ .
157
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ- : إِذَا حَضَرَتِ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ .
158
وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ ،وَقَدْ قَرَأَ فِيهَا بِالطُّورِ وَبِالصَّافَّاتِ وَالْأَعْرَافِ .
159
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِهَاكُلِّهَا فِي التَّمْهِيدِ .
160
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيوَقْتِ الْمَغْرِبِ قَوْلَيْنِ :
161
( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ مَمْدُودٌ إِلَى مَغِيبِالشَّفَقِ كَمَا نَزَعَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإ .
162
( وَالْآخَرُ ) - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ - أَنَّ وَقْتَهَا وَاحِدٌلَا وَقْتَ لَهَا غَيْرَهُ فِي الِاخْتِيَارِ ، وَذَلِكَ حِينَ تَجِبُ الشَّمْسُ .
163
قَالَ : وَذَلِكَ بَيِّنٌفِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ .
164
قَالَ : وَلَوْ جَازَ أَنْ تُقَاسَ الْمَوَاقِيتُ لَقِيلَ : لَا تَفُوتُ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ; قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْهَا رَكْعَةً كَمَا قَالَ فِي الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّ الْمَوَاقِيتَ لَا تُؤْخَذُ قِيَاسًا .
165
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، فَإِنْ حَبَسَكَ عُذْرٌ فَأَخَّرْتَهَاإِلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ فِي السَّفَرِ فَلَا بَأْسَ بِهَا ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ تَأْخِيرَهَا .
167
قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ .
167
وَالْحُجَّةُ لَهُمْ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ- عَلَى تَوَاتُرِهَا - لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا .
168
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكُلُّهُمْ صَحِبَهُ بِالْمَدِينَةِ ، وَحَكَى عَنْهُ صَلَاتَهُ بِهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْمَغْرِبَ فِي الْوَقْتَيْنِ ، لَكِنْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَسَائِرُ الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتَيْنِ .
169
عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُؤْخَذُ عَمَلًا ؛ لِأَنَّهُ لَايُغْفَلُ عَنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ جَهْلُهُ وَلَا نِسْيَانُهُ .
170
وَقَدْ حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ : أَنَّ الْأَمْصَارَ كُلَّهَا بِأَسْرِهَا لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا عَلَى تَعْجِيلِالْمَغْرِبِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا فِي حِينِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَخَّرَ إِقَامَةَ الْمَغْرِبِ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ عَنْ وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ .
171
وَفِي هَذَا مَا يَكْفِي مَعَ الْعَمَلِ بِالْمَدِينَةِ فِي تَعْجِيلِهَا ، وَلَوْ كَانَ وَقْتُهَا وَاسِعًا لَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا كَعَمَلِهِمْ فِيالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَذَانٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ اتِّسَاعُ الْوَقْتِ .
172
وَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -لَمْ يَزَلْ يُصَلِّيهَا وَقْتًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ مَاتَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ .
173
وَلَوْ وَسَّعَ لَهُمْ لَاتَّسَعُوا ؛لِأَنَّ شَأْنَ الْعُلَمَاءِ الْأَخْذُ بِالتَّوْسِعَةِ .
174
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَالْبَدَارُ إِلَى الْوَقْتِ الْمُخْتَارُ .
175
وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا الْآثَارَالْمُسْنَدَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى هُنَاكَ أَيْضًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
176
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لِلْمُقِيمِ مَغِيبُ الشَّفَقِ الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ ، هَذَاقَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي الشَّفَقِ .
177
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَمَّا فِي الْحَضَرِ فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَلَّا يُصَلِّيَ حَتَّىيَذْهَبَ الْبَيَاضُ ، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَيُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا ذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ .
178
وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِغَيْرِ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ ثُلُثُ اللَّيْلِ ،وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَلَّا يُعَجِّلُوا بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالنَّاسِ ، وَتَأْخِيرُهَا قَلِيلًا أَفْضَلُ عِنْدَهُ .
179
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ : أَنَّ أَوَائِلَ الْأَوْقَاتِ أَحَبُّ إِلَيْهِ فِيكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا فِي الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّهَا يُبْرَدُ بِهَا .
180
وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَقْتُهَا مِنْ حِينِ يَغِيبُ الشَّفَقُإِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ - فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ الِاشْتِرَاكُ مِنْ أَهْلِ الضَّرُورَاتِ .
181
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : الْمُسْتَحَبُّ فِي وَقْتِهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ،وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَا تَفُوتُ إِلَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ .
182
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : آخِرُ وَقْتِهَا أَنْ يَمْضِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَاأَرَاهَا إِلَّا فَائِتَةً ، يَعْنِي وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِالِاشْتِرَاكِ لِأَهْلِ الضَّرُورَاتِ .
183
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَقْتُهَا مِنْمَغِيبِ الشَّفَقِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ .
184
وَقَالَ دَاوُدُ : وَقْتُهَا مِنْمَغِيبِ الشَّفَقِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ .
185
قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي أَحَادِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ - ثُلُثُ اللَّيْلِ .
186
وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِيمُوسَى بِالْمَدِينَةِ لِلسَّائِلِ .
187
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَحَدِيثِأَبِي هُرَيْرَةَ - : سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ .
188
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِعُمَرَ : وَنِصْفُ اللَّيْلِ .
189
وَحَدِيثُ عَلِيٍّمِثْلُهُ .
190
وَحَدِيثُ ابْنِعُمَرَ مِثْلُهُ .

191 - وَكُلُّهَا مُسْنَدَةٌ . وَقَدْ ذَكَرَتُهَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ بِأَسَانِيدِهَا . 192 - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : لَوْلَا أَنَّ أَشَقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ .

182
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ .
183
وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّعَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ التَّعْجِيلُ خَوْفَ الْمَشَقَّةِ .
184
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَانْصِدَاعُهُ ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّفِي آخِرِ اللَّيْلِ ، وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي الَّذِي يَنْتَشِرُ وَيَظْهَرُ ، وَأَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ .
195
إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْمَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِهَا الْإِسْفَارُ .
196
وَكَذَلِكَ حَكَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ :أَنَّ آخِرَ وَقْتِهَا : الْإِسْفَارُ الْأَعْلَى .
197
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ :آخِرُ وَقْتِهَا طُلُوعُ الشَّمْسِ .
198
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْجَمَاعَةُ ، إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ إِدْرَاكَرَكْعَةٍ مِنْهَا قَبْلَ الطُّلُوعِ عَلَى حَسْبِ مَا مَضَى فِي الْعَصْرِ .
199
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَفُوتُ صَلَاةُ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ مِنْهَارَكْعَةً بِسُجُودِهَا ، فَمَنْ لَمْ تَكْمُلْ لَهُ رَكْعَةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ فَاتَتْهُ .
200
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوَدَ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .
201
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ يُفْسِدُونَ صَلَاةَ مَنْ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ يُصَلِّيهَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُجَّتِهِمْ ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
202
وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَاقَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ - فَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ : قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الظِّلُّ عَلَى الْجِدَارِ ، يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ ظَلُّ حُجْرَتِهَا عَلَى جُدُرِهَا .
203
وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَا شَيْئًا فَقَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُتَعَالَى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ .
204
وَقَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ : بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودُنَاوَإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا أَيْ مُرْتَقًى وَعُلُوًّا .
205
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يُخْرَجَالظِّلُّ مِنْ قَاعَةِ حُجْرَتِهَا .
206
وَكُلُّ شَيْءٍ خَرَجَ أَيْضًا فَقَدْ ظَهَرَ ، وَالْحُجْرَةُ :الدَّارُ ، وَكُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ حَائِطٌ فَهُوَ حُجْرَةٌ .
207
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قِصَرِ بُنْيَانِهِمْ وَحِيطَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إِنَّمَاقُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ الْعَصْرِ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِصَرِ الْحِيطَانِ .
208
وَإِنَّمَا أَرَادَ عُرْوَةُ بِذَلِكَ لِيُعْلِمَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَائِشَةَ :أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَخَّرَهَا إِلَيْهِ عَمَرُ .
209
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا مُحْتَلِمٌ فَأَنَالُ سُقُفَهَا بِيَدِي ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ .
210
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ ،وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ يَدْخُلُ ، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَاصِمُ بْنُ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ .
211
قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ حَالُهُ إِذْ صَارَخَلِيفَةً ، وَحَسْبُكَ بِهِ اجْتِهَادًا فِي خِلَافَتِهِ .
212
رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَاللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا .
213
وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِي بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ .
214
وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ : انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ ! أَوَ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ سَنَّوَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ حَدَّثَنِي بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَمَا زَالَ عُمَرُ يَعْتَلِمُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا .
215
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ وَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَأُنْكِرَتْ حَالُهُ فِي الْعَصْرِ .
216
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّ عُمَرَ قَبِلَ خَبَرَ عُرْوَةَ وَحْدَهُ فِيمَا جَهِلَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ - وَهَذَا مِنَّا عَلَى التَّنْبِيهِ ، فَإِنَّ قَبُولَ خَبَرِالْوَاحِدِ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ النَّاسِ ، مُسْتَعْمَلٌ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحُجَّةِ ؛ لِأَنَّا لَا نَقُولُ : إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ .
217
وَقَدْ أَفْرَدَنَا لِلْحُجَّةِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ كِتَابًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ صُحْبَةِ الْأُمَرَاءِ .
218
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَصْحَبُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَعُرْوَةُ ،وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَخْلِقْ بِالْأَمِيرِ إِذَا صَحِب الْعُلَمَاءَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَاضِلًا .
219
وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَسَأَلَنِي عَنِ الْحَسَنِ كَمَا يَسْأَلُ الرَّجُلُ عَنْ وَلَدِهِ ،فَقَالَ : كَيْفَ طُعْمَتُهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَدْخُلُ عَلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ ؟ وَأَيْنَ مَجْلِسُهُ مِنْهُ ؟ وَهَلْ رَأَيْتَهُ يُطْعَمُ عِنْدَ عَدِيٍّ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ .
220
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ جَامِعِالْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَتِهِ وَحَمْلِهِ .
221
كَانُوا يَقُولُونَ : خَيْرُ الْأُمَرَاءِ مَنْ صَحِبَ الْعُلَمَاءَ ، وَشَرُّ الْعُلَمَاءِ مَنْ صَحِبَالْأُمَرَاءَ ; إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْحَقِّ ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَعَانَ الضَّعِيفَ .
ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث