حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار

مرسل ابن المسيب حين قفل رسول الله من خيبر

( 6 ) بَابُ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ 23 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسَ . وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ . وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ ، وَكَلَأَ بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ مُقَابِلُ الْفَجْرِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بِلَالٌ ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الرَّكْبِ ، حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ .

فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ بِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اقْتَادُوا .

فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ ، وَاقْتَادُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ . ثُمَّ قَالَ حِينَ قَضَى الصَّلَاةَ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . 639 - هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ فِي الْمُوَطَّإ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ فِيمَا عَلِمْتُ .

640
وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي التَّمْهِيدِ مَنْ تَابَعَ مَالِكًا ، عَنِ ابْنِشِهَابٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي إِرْسَالِهِ ، وَمَنْ وَصَلَهُ فَأَسْنَدَهُ .
641
وَذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ أَصْحَابِهِ : نَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِفِي سَفَرِهِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرْتُهَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ .
642
وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَفَلَ مِنْ خَيْبَرَ أَسْرَى - أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرْجِعَهُ مِنْ غَزَاةِ حُنَيْنٍ .
643
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ نَوْمَهُ ذَلِكَكَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ خَيْبَرَ .
644
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَهْلُ السِّيَرِ : إِنَّنَوْمَهُ عَنِ الصَّلَاةِ كَانَ حِينَ قُفُولِهِ مِنْ خَيْبَرَ .
645
وَالْقُفُولُ : الرُّجُوعُ مِنَ السَّفَرِ ، وَلَايُقَالُ : قَفَلَ إِذَا سَارَ مُبْتَدِئًا .
646
قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : قَفَلَ الْجَيْشُ قُفُولًا وَقَفْلًا : إِذَارَجَعُوا ، وَقَفَلْتُهُمْ أَنَا هَكَذَا ، وَهُوَ الْقُفُولُ ، وَالْقَفْلُ .
647
وَخُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزَوَاتِ مِنَ السُّنَنِ ،وَكَذَلِكَ إِرْسَالُهُ السَّرَايَا ، كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ .
648
وَالسُّرَى : سَيْرُ اللَّيْلِ وَمَشْيُهُ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مُؤَنَّثَةٌ ، وَسَرَى وَأَسْرَى: لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا ، وَلَا يُقَالُ لِسَيْرِ النَّهَارِ : سُرًى .

وَمِنْهُ الْمَثَلُ السَّائِرُ : عِنْدَ الصَّبَاحِ : يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى . 649 - وَالتَّعْرِيسُ : نُزُولُ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَلَا تُسَمِّي الْعَرَبُ نُزُولَ أَوَّلِ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا . 650 - وَقَوْلُهُ : اكْلَأْ لَنَا الصُّبْحَ ، أَيِ ارْقُبْ لَنَا الصُّبْحَ ، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا وَقْتَ صَلَاتِهِ .

651
وَأَصْلُ الْكَلْءِ : الْحِفْظُ ، وَالْمَنْعُ ، وَالرِّعَايَةُ ، وَهِيَ لَفْظَةٌ مَهْمُوزَةٌ .قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، أَيْ : يَحْفَظُكُمْ .
652
وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ: إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا
653
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الْمَشْيِ عَلَى الدَّوَابِّ بِاللَّيْلِ ، وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الِاحْتِمَالِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِلَالْمَشْيَ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَقَدْ أَمَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالرِّفْقِ بِهَا ، وَأَنْ يُنْجَى عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا .
654
وَفِيهِ أَمْرُ الرَّفِيقِ بِمَا خَفَّ مِنَ الْخِدْمَةِ وَالْعَوْنِ فِيالسَّفَرِ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُرْفِ فِي مِثْلِهِ .
655
وَإِنَّمَا قُلْنَا : بِالرَّفِيقِ ، وَلَمْ نَقُلْ بِالْمَمْلُوكِ ; لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ حُرًّا يَوْمَئِذٍقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْتَقَهُ بِمَكَّةَ ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ .
656
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَعْنَى نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاتِهِ فِي سَفَرِهِ حَتَّىطَلَعَتِ الشَّمْسُ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي .
657
وَالنُّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ ; وَلِذَلِكَ كَانَتْرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، وَتَلَا افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ .
658
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا .
659
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَبِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ .

660 - وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ : إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ . 661 - وَنَوْمُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي سَفَرِهِ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ : إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ . فَخَرَقَ نَوْمُهُ ذَلِكَ عَادَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ; لِيَسُنَّ لِأُمَّتِهِ .

662
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ خَبَّابٍ : لَوْشَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَكُمْ .
663
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْمَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الصُّبْحَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ .
664
وَكَانَ مَسْرُوقٌ يَقُولُذَلِكَ أَيْضًا .

665 - قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ : أَنَّ قَاسِمًا حَدَّثَهُمْ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ تَمِيمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَعَرَّسُوا مِنَ اللَّيْلِ ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ . قَالَ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . 666 - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا يَسُرُّنِي بِهِمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا يَعْنِي الرُّخْصَةَ .

667
قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَلِكَ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا إِلَى أَنْ عَلِمَ أَصْحَابُهُ الْمُبَلِّغُونَ عَنْهُ إِلَى سَائِرِ أُمَّتِهِ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ الصَّلَاةُ ،وَإِنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً ، أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا أَبَدًا مَتَى مَا ذَكَرَهَا : نَاسِيًا كَانَ لَهَا ، أَوْ نَائِمًا عَنْهَا ، أَوْ مُتَعَمِّدًا لِتَرْكِهَا .
668
أَلَا تَرَى أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ :أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا .
669
وَالنِّسْيَانُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : يَكُونُالتَّرْكَ عَمْدًا ، وَيَكُونُ ضِدَّ الذِّكْرِ .
670
قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ أَيْ : تَرَكُوا طَاعَةَاللَّهِ تَعَالَى ، وَالْإِيمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ ، فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ .
671
وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَلَايَجْهَلُهُ مَنْ لَهُ أَقَلُّ عِلْمٍ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ .
672
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ خَصَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ فِي غَيْرِهَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ؟
673
قِيلَ : خَصَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ لِيَرْتَفِعَ التَّوَهُّمُ وَالظَّنُّ فِيهِمَالِرَفْعِ الْقَلَمِ فِي سُقُوطِ الْمَأْثَمِ عَنْهُمَا بِالنَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ .
674
فَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّ سُقُوطَ الْإِثْمِ عَنْهُمَا غَيْرُ مُسْقِطٍ لِمَا لَزِمَهُمَا مِنْفَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الذِّكْرِ لَهَا ، يَقْضِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا إِذَا ذَكَرَهَا .
675
وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذِكْرِ الْعَامِدِ مَعَهُمَا ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُتَوَهَّمَةَ فِي النَّاسِي وَالنَّائِمِ لَيْسَتْ فِيهِ ،وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِ فَرْضٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لَهُ .
676
وَسَوَّى اللَّهُ - تَعَالَى - فِي حُكْمِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ بَيْنَ حُكْمِ الصَّلَاةِ الْمَوْقُوتَةِوَالصِّيَامِ الْمَوْقُوتِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ - بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ .
677
فَنَصَّ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي فِي الصَّلَاةِ لِمَا وَصَفْنَا، وَنَصَّ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي الصَّوْمِ .
678
وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ ، وَنَقَلَتِ الْكَافَّةُ فِيمَنْ لَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ عَامِدًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِفَرْضِهِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ أَشَرًا وَبَطَرًا، تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَابَ عَنْهُ - أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ ، فَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَامِدًا .
679
فَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي فِي الْقَضَاءِ لِلصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ سَوَاءٌ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِثْمِ ، كَالْجَانِي عَلَى الْأَمْوَالِ الْمُتْلِفِ لَهَا عَامِدًا وَنَاسِيًا ، إِلَّا فِي الْإِثْمِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي هَذَا الشَّرْعَبِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْحَجِّ الَّتِي لَا تُقْضَى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا لِعَامِدٍ وَلَا لِنَاسٍ ، فَوُجُوبُ الدَّمِ فِيهَا يَنُوبُ عَنْهَا ، وَبِخِلَافِ الضَّحَايَا أَيْضًا ; لِأَنَّ الضَّحَايَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَرْضًا .
680
وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ كِلَاهُمَا فَرْضٌ وَاجِبٌ ، وَدَيْنٌ ثَابِتٌيُؤَدَّى أَبَدًا ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُؤَجَّلُ لَهُمَا .
681
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ - : دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى
682
وَإِذَا كَانَ النَّائِمُ وَالنَّاسِي لِلصَّلَاةِ - وَهُمَا مَعْذُورَانِ - يَقْضِيَانِهَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَانَ الْمُتَعَمِّدُ لِتَرْكِهَا الْمَأْثُومُ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ أَوْلَى بِأَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ الصَّلَاةِ ، وَأَنْيُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ عِصْيَانِهِ فِي تَعَمُّدِ تَرْكِهَا هِيَ أَدَاؤُهَا ، وَإِقَامَةُ تَرْكِهَا مَعَ النَّدَمِ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ تَرْكِهِ لَهَا فِي وَقْتِهَا .
683
وَقَدْ شَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَأَقْدَمَ عَلَى خِلَافِ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : لَيْسَعَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ نَائِمٍ وَلَا نَاسٍ .
684
وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا .
685
قَالَ : وَالْمُتَعَمِّدُغَيْرُ النَّاسِي وَالنَّائِمِ .
686
قَالَ : وَقِيَاسُهُ عَلَيْهِمَا غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا ، كَمَاأَنَّ مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ نَاسِيًا لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَنَا .
687
فَخَالَفَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَتِرُ فِي ذَلِكَبِرِوَايَةٍ جَاءَتْ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، شَذَّ فِيهَا عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ .
688
وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهِمْ، مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِمْ .
689
فَخَالَفَ هَذَا الظَّاهِرَ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ ، وَشَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، وَلَمْ يَأْتِ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ يَصِحُّ فِي الْعُقُولِ .

690 - وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تُصَلَّى وَتُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا كَالصَّائِمِ سَوَاءً - وَإِنْ كَانَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ أُمِرَ مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ . عَنْ سَبِيلِهِمْ يُغْنِي عَنِ الدَّلِيلِ فِي ذَلِكَ - قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ . وَلَمْ يَخُصَّ مُتَعَمِّدًا مِنْ نَاسٍ .

691
وَنَقَلَتِ الْكَافَّةُ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ صَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْغُرُوبِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِالْوَقْتِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ كُلِّهَا لِمَنْ تَعَمَّدَ أَوْ نَسِيَ أَوْ فَرَّطَ ، وَبَيْنَ عَمَلِ بَعْضِهَا فِي نَظَرٍ وَلَا اعْتِبَارٍ .
692
وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لِشُغْلِهِ بِمَا نَصَبَهُ الْمُشْرِكُونَ لَهُ مِنَالْحَرْبِ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَاسِيًا وَلَا نَائِمًا ، وَلَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ حَرْبٌ قَائِمَةٌ مُلْتَحِمَةٌ ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي اللَّيْلِ .
693
وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بِالْمَدِينَةِ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْخَنْدَقِ : لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجُوا مُتَبَادِرِينَ وَصَلَّى بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي ( طَرِيقِ ) بَنِي قُرَيْظَةَ خَوْفًا مِنْ خُرُوجِ وَقْتِهَا الْمَعْهُودِ، وَلَمْ يُصَلِّهَا بَعْضُهُمْ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَلَمْ يُعَنِّفْ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَكُلُّهُمْ غَيْرُ نَاسٍ وَلَا نَائِمٍ ، وَقَدْ أَخَّرَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا ثُمَّ صَلَّاهَا ، وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ .

فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي وَقْتِهَا ، وَلَا تُقْضَى بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا . 694 - وَدَلِيلٌ آخَرُ : وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا . قَالُوا : أَفَنُصَلِّيهَا مَعَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .

695
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ يُوسُفُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى الْحِمْصِيِّ ، عَنْأَبِي أُبَيِّ ابْنِ امْرَأَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ تَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ حَتَّى لَا يُصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا قَالُوا : نُصَلِّيهَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
696
قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَبُو الْمُثَنَّى الْحِمْصِيُّ هُوَ الْأُمْلُوكِيُّ ، ثِقَةٌ ،رَوَى عَنْ عُتْبَةَ ، وَأُبَيِّ ابْنِ أُمِّ حَرَامٍ ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ .
697
وَأَبُو أُبَيِّ ابْنُ أُمِّ حَرَامٍ رَبِيبُ عُبَادَةَ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَقَدْ سَمَّاهُ وَكِيعٌوَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكُنَى .
698
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاحَ الصَّلَاةَبَعْدَ خُرُوجِ مِيقَاتِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَا تُصَلَّى إِلَّا فِي وَقْتِهَا .
699
وَالْأَحَادِيثُ فِي تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَقَدْكَانَ الْأُمَرَاءُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الْغُرُوبِ .
700
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - التَّفْرِيطُ عَلَىمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى .
701
وَقَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ فِيالْحَضَرِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْعَصْرِ .
702
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، قَدْذَكَرْتُ بَعْضَهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ فِي الْمَوَاقِيتِ .
703
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَحِينَ وَقْتُ الْأُخْرَى .
704
فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَ هَذَا مُفَرِّطًا ،وَالْمُفَرِّطُ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ ، وَلَيْسَ كَالنَّائِمِ ، وَلَا النَّاسِي عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ جِهَةِ الْعُذْرِ .
705
وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ تَفْرِيطِهِ .
706
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا لِمِيقَاتِهَا .

707 - وَهَذَا أَبْعَدُ وَأَوْضَحُ فِي أَدَاءِ الْمُفَرِّطِ الصَّلَاةَ عِنْدَ الذِّكْرِ ، وَبَعْدَ الذِّكْرِ . 708 - وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ هَذَا صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فِي نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ ، وَفِيهِ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا نُصَلِّيهَا مِنَ الْغَدِ ؟ قَالَ : لَا . إِنَّ اللَّهَ ( لَا ) يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا ثُمَّ يَقْبَلُهُ مِنْكُمْ .

709
وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - .
710
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ الثَّقَفِيُّ - وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحَابَةِ - قَالَ : قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَىرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ فَشَغَلُوهُ ، فَلَمْ يُصَلِّ يَوْمَئِذٍ الظُّهْرَ إِلَّا مَعَ الْعَصْرِ .
711
وَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَاالَّذِي كَانَ يُصَلِّيهَا فِيهِ بِشُغْلٍ اشْتَغَلَ بِهِ .
712
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَمِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ .
713
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ عَامِدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا عَاصٍ لِلَّهِ ،وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْكُورًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْكَبَائِرِ .
714
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْعَاصِي أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَنْبِهِ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ ، وَاعْتِقَادُ تَرْكِالْعَوْدَةِ إِلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .
715
وَمَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ لِلَّهِ ، أَوْلِعِبَادِهِ ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ .
716
وَقَدْ شَبَّهَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِحُقُوقِالْآدَمِيِّينَ ، وَقَالَ : دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى .
717
وَالْعَجَبُ مِنْ هَذَا الظَّاهِرِيِّ فِي نَقْضِهِ أَصْلَهُ وَأَصْلَ أَصْحَابِهِ فِيمَا وَجَبَ مِنَ الْفَرَائِضِ بِإِجْمَاعٍ : أَنَّهُ لَايَسْقُطُ إِلَّا بِإِجْمَاعِ مِثْلِهِ ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا تَنَازُعَ فِي قَبُولِهَا ، وَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ وَاجِبَاتٌ بِإِجْمَاعٍ .
718
ثُمَّ جَاءَ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِشُذُوذٍ خَارِجٍ عَنْ أَقْوَالِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَأَتْبَعُهُ دُونَ سَنَدٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، وَأَسْقَطَ بِهِ الْفَرِيضَةَالْمُجْتَمَعَ عَلَى وُجُوبِهَا ، وَنَقَضَ أَصْلَهُ ، وَنَسِيَ نَفْسَهُ ، وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِمَا يَرْضَاهُ ، وَالْعِصْمَةَ مِمَّا بِهِ ابْتَلَاهُ .
719
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُغَلِّسِ فِي كِتَابِهِ : الْمُوَضَّحِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ قَالَ : فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ فِي مِصْرٍ فِي حَشٍّ أَوْ مَوْضِعٍ نَجِسٍ ، أَوْ كَانَ مَرْبُوطًاعَلَى خَشَبَةٍ وَلَمْ تُمْكِنْهُ الطَّهَارَةُ وَلَا قَدَرَ عَلَيْهَا ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْوُضُوءِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ تَطَهَّرَ وَصَلَّى مَتَى مَا قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ .
720
قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا غَيْرُ نَاسٍ وَلَا نَائِمٍ ، وَقَدْ أَوْجَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَيْهِالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُغَلِّسِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ .
721
وَهَذَا الظَّاهِرِيُّ يَقُولُ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ الصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَاإِلَّا النَّائِمُ وَالنَّاسِي ; لِأَنَّهُمَا خُصَّا بِذَلِكَ ، وَنُصَّ عَلَيْهِمَا .
722
فَإِنْ قَالَ : هَذَا مَعْذُورٌ كَمَا أَنَّ النَّائِمَ وَالنَّاسِيَ مَعْذُورَانِ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا الْعُذْرُ - قِيلَ لَهُ : قَدْ تَرَكْتَ مَا أَصَّلْتَفِي نَفْيِ الْقِيَاسِ وَاعْتِبَارِ الْمَعَانِي وَأَلَّا يُتَعَدَّى النَّصُّ ، مَعَ أَنَّ الْعُقُولَ تَشْهَدُ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ أَوْلَى بِإِلْزَامِ الْقَضَاءِ مِنَ الْمَعْذُورِ .
723
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَاوُدِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُتَرْجِمِ بِجَامِعِ مَذْهَبِ أَبِي سُلَيْمَانَ : دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍالْأَصْبَهَانِيِّ فِي بَابِ صَوْمِ الْحَائِضِ وَصَلَاتِهَا مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ - قَالَ : كُلُّ مَا تَرَكَتِ الْحَائِضُ مِنْ صَلَاتِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَعَلَيْهَا إِعَادَتُهَا .
724
قَالَ : وَلَوْ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ( وَتَرَيَّثَتْ )عَنِ الْإِتْيَانِ بِهَا حَتَّى حَاضَتْ أَعَادَتْ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا إِذَا طَهُرَتْ .
725
فَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، فَمَا أَرَى هَذَا الظَّاهِرِيَّ إِلَّا قَدْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِوَالْخَلَفِ ، وَخَالَفَ جَمِيعَ فِرَقِ الْفُقَهَاءِ ، وَشَذَّ عَنْهُمْ ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا فِي الْعِلْمِ مَنْ أَخَذَ بِالشَّاذِّ مِنَ الْعِلْمِ .
726
وَقَدْ أَوْهَمَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ لَهُ سَلَفًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ تَجَاهُلًا مِنْهُ أَوْ جَهْلًا ، فَذَكَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ ،وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قَالُوا : أَخَّرُوهَا عَنْ مَوَاقِيتِهَا .

قَالُوا : وَلَوْ تَرَكُوهَا لَكَانُوا بِتَرْكِهَا كُفَّارًا . وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بِكُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا ، وَلَا يَقُولُونَ بِقَتْلِهِ إِذَا كَانَ مُقِرًّا بِهَا ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ قَضَى الصَّلَاةَ فَقَدْ تَابَ مِنْ تَضْيِيعِهَا ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى . 727 - وَلَا تَصِحُّ لِمُضَيِّعِ الصَّلَاةِ تَوْبَةٌ إِلَّا بِأَدَائِهَا ، كَمَا لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّ إِلَّا بِأَدَائِهِ .

728
وَمَنْ قَضَى صَلَاةً فَرَّطَ فِيهَا فَقَدْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَاللَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا .
729
وَذُكِرَ عَنْ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ : الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ ، فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَلَهُ ، وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ .
730
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُطَفِّفَ قَدْيَكُونُ الَّذِي لَمْ يُكْمِلْ صَلَاتَهُ بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَحُدُودِهَا وَإِنْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا .
731
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ :لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا .
732
وَكَذَلِكَ نَقُولُ : لَا صَلَاةَ لَهُ كَامِلَةٌ ، كَمَا لَاصَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ ، وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ .
733
وَمَنْ قَضَى الصَّلَاةَ فَقَدْ صَلَّاهَا وَتَابَ مِنْ سَيِّئِ عَمَلِهِ فِي تَرْكِهَا ، وَكُلُّ مَا ذَكَرَ فِي هَذَاالْمَعْنَى فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلَا لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُجَّةٌ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ خِلَافُ مَا تَأَوَّلَهُ .

وَاللَّهَ أَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ . 734 - وَأَمَّا فَزَعُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ فَزَعًا مِنْهُ وَإِشْفَاقًا وَحُزْنًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهَا بِالنَّوْمِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ ، وَحِرْصًا عَلَى بُلُوغِ الْغَايَةِ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، كَمَا فَزِعَ حِينَ قَامَ إِلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، وَكَانَ فَزَعُ أَصْحَابِهِ فِي انْتِبَاهِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا حُكْمَ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاتِهِ فِي رَفْعِ الْمَأْثَمِ عَنْهُ ، وَإِبَاحَةِ الْقَضَاءِ لَهُ . 735 - وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا .

736 - وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَزَعُهُمْ لِمَا رَأَوْهُ مِنْ فَزَعِهِ حِينَ انْتِبَاهِهِ ، إِشْفَاقًا وَفَزَعًا ، كَفَزَعِهِمْ حِينَ صَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الصُّبْحَ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْتَغِلٌ بِطُهُورِهِ ، ثُمَّ أَتَى فَأَدْرَكَ مَعَهُمْ رَكْعَةً ، فَلَمَّا سَمِعُوا تَكْبِيرَة فَزِعُوا . فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ . 737 - وَلَمْ يَكُنْ فَزَعُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ عَدُوٍّ خَافَهُ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مَعَانِي الْمُوَطَّإ .

738 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَبَيَانُ أَنَّهُ إِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُ الْإِثْمُ فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِمَا يَغْلِبُهُ مِنَ النَّوْمِ ، وَلَمْ يُرْفَعْ عَنْهُ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِهَا إِذَا انْتَبَهَ وَذَكَرَهَا ، وَكَذَلِكَ النَّاسِي . 739 - وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فِي النَّائِمِ ، وَفِي السَّاهِي : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا - بَيَانُ مَا قُلْنَا . وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا .

740
وَأَمَّا قَوْلُ بِلَالٍ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ - يَعْنِي مِنَ النَّوْمِ - فَصِنْفٌ مِنَ الِاحْتِجَاجِ لَطِيفٌيَقُولُ : إِذَا كُنْتَ فِي مَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ قَدْ غَلَبَتْكَ عَيْنُكَ ، وَقُبِضَتْ نَفْسُكَ فَأَنَا أَحْرَى بِذَلِكَ .
741
وَقَدْ رَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَفَاطِمَةَ ، وَهُمَا نَائِمَانِ فَقَالَ : أَلَا تُصَلُّونَ ! أَلَا تُصَلُّونَ! فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَهَا بَعَثَهَا ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقْرَأُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا .
742
وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ : إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، وَقَوْلِ بِلَالٍ : أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ، مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -فِي حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ وَالنَّفْسَ شَيْءٌ وَاحِدٌ .
743
وَقَدْ أَثْبَتْنَا بِمَا بَيَّنَّا فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ عَنِ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِمَافِيهِ شِفَاءٌ فِي مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
744
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ وَاقْتَادُوا شَيْئًا - فَإِنَّهُ أَرَادَ : أَثَارُوا جِمَالَهُمْ، وَاقْتَادُوا سَيْرًا قَلِيلًا ، وَالْإِبِلُ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا الْأَوْقَارُ فَهِيَ الرَّوَاحِلُ .
745
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى اقْتِيَادِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي : فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْكَانَ خَرَجَ فَلَمْ يَخَفْ فَوْتًا آخَرَ ، وَتَشَاءَمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي نَابَهُمْ فِيهِ ، فَقَالَ : هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ .

كَمَا قَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ . 746 - وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ وَارْتَحَلُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْهُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ . 747 - وَذَكَرَ وَكِيعٌ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : تَزَحْزَحُوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ، فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي .

748
وَذَلِكَ كُلُّهُ نَحْوٌ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَيْهِ ، وَلَيْسَ مِنْبَابِ الطِّيَرَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْكَرَاهَةِ .
749
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَزَعَمُوا أَنَّ تَأْخِيرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -لِتِلْكَ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْوَادِي إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ انْتَبَهَ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ .
750
قَالُوا : وَمِنْ سُنَّتِهِ أَلَّا يُصَلِّيَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا .

751 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالُوا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ يَكْلَؤنَا اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ بِلَالٌ : أَنَا . فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ : افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ، فَفَعَلْنَا . قَالَ : كَذَلِكَ فَافْعَلُوا ، ثَمَّ نَامَ أَوْ نَسِيَ .

752
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُواالصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ .
753
وَبِالْآثَارِ الَّتِي رَوَاهَا الصُّنَابِحِيُّ وَغَيْرُهُ فِي النَّهْيِ عَنِالصَّلَاةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينَ غُرُوبِهَا .
754
وَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى الْفَرَائِضِ وَعَلَى النَّوَافِلِ ، وَقَالُوا : لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لَا يُؤَدَّى فِيهِمَا صِيَامُ رَمَضَانَ وَلَا نَفْلٌ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهِمَا ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ لَا تُصَلَّى فِيهَا فَرِيضَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا .
755
وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُفَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ .
756
وَرَوَى أَبُو رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُقَالَ : إِذَا أَدْرَكْتَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى .
757
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِفِي التَّمْهِيدِ .
758
وَهَذِهِ إِبَاحَةٌ مِنْهُ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينِ غُرُوبِهَا ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ الْمَذْكُورَعَنِ الصَّلَاةِ فِي حِينِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينِ غُرُوبِهَا لَمْ يَكُنْ عَنِ الْفَرَائِضِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّطَوُّعَ وَالنَّافِلَةَ .
759
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَذَانِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فَقَطْ .
760
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ : أَنَّهَا تُقَامُبِغَيْرِ أَذَانٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ إِلَّا فِي وَقْتِهَا .
761
وَيَحْتِمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرُهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَبِمَا تُقَامُ بِهِ مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ .
762
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَفِي بَعْضِهَا : أَنَّهُ أَمَرَهُ فَأَقَامَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا .
763
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَذَانِوَالْإِقَامَةِ لِلصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ :
764
فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ أَوْ صَلَوَاتٌحَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِقَامَةً إِقَامَةً ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ .
765
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَيْسَ عَلَيْهِفِي الْفَوَائِتِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ .
766
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ صَلَّاهَابِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ .
767
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَإِنْ صَلَّاهُنَّ بِإِقَامَةِ إِقَامَةٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَحَسَنٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ .
768
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُ : يُؤْذِّنُ وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَاتَتْهُ عَلَىمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَ نَامَ فِي سَفَرِهِ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ .
769
قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ الصَّحَابَةُ وَالرُّوَاةُ فِي أَحَادِيثِ نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ صَلَاةِالْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ مِنَ الْأَذَانِ مَعَ الْإِقَامَةِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنِ احْتِمَالِ لَفْظِ الْإِقَامَةِ فِي التَّأْوِيلِ .
770
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ مِنْطُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ .
771
( مِنْهَا ) : مَا أَنْبَأَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : سَرَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَرَّسَ بِنَا مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، قَالَ : فَاسْتَيْقَظْنَا وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَثُورُ إِلَى طُهُورِهِ دَهِشًا فَازِعًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ارْتَحِلُوا قَالَ : فَارْتَحَلْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلْنَا فَقَضَيْنَا مِنْ حَوَائِجِنَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ ، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَفَنَقْضِيهَا لِمِيقَاتِهَا مِنَ الْغَدِ ؟ فَقَالَ : لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبَا وَيَأْخُذُهُ مِنْكُمْ .
772
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْفَائِتَةَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤْذَّنُ - حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ يَوْمِ الْخَنْدَقِ : فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُبِسَ يَوْمَئِذٍ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِلَى هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا .
773
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخُرَاسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ .

( ح ) . 774 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْخُشَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الطَّحَاوِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بُدَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى كُفِينَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا . مَعْنَى حَدِيثِهِمَا سَوَاءٌ .

775
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ ، عن مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِاللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، قَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ غَيْرُكُمْ .
776
قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ،وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْفَوَائِتَ يُقَامُ لَهَا وَلَا يُؤَذَّنُ .
777
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهَا يُؤْذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ بِمَا فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ : ثُمَّ أَقَامَ لِلْعِشَاءِ فَصَلَّاهَا ، وَالْعِشَاءُ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا لَيْسَتْ بِفَائِتَةٍ ،وَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ الْأَذَانِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ إِنَّمَا أَرَادَ إِقَامَتَهَا بِمَا تُقَامُ بِهِ عَلَى سُنَّتِهَا مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ .
778
قَالَ : فَكَذَلِكَ سَائِرُ مَاذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ .
779
قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْعِشَاءُ صُلِّيَتْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : هَوِيٌّمِنَ اللَّيْلِ وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، فَكَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ حُكْمَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ عَلَى مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ .
780
وَإِذَا احْتُمِلَ ذَلِكَ فَهِيَ فَائِتَةٌ ، حُكْمُهَاحُكْمُ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهَا .
781
وَصَحَّ بِظَاهِرِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْفَوَائِتَ يُقَامُلَهَا وَلَا يُؤَذَّنُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
782
وَأَمَّا صَلَاةُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْتَبِهْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ :يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ .
783
وَذَكَرَ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ فِي سَمَاعِهِ مِنْ مَالِكٍ : قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَامَ عَنْصَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ : إِنَّهُ لَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، وَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ .
784
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ- صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ .
785
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سُئِلَ مَالِكٌ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ؟ قَالَ : مَا عَلِمْتُ .
786
قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا صَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رَوَى .
787
وَعَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَشْهَبَ ، وَعَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا : يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِقَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَالَا : وقَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ صَلَّاهُمَا يَوْمَئِذٍ .
788
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِنْ شَاءَ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدَعَهُمَا .
789
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوَدُلِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِ .
790
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ مُرْسَلِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ .
791
وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ يُرْكَعَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَنْأَتَى مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا كَانَ فِي سَعَةٍ مِنَ الْوَقْتِ .
792
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنِ انْتَبَهَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَايَخَافُ مِنْ فَوْتِ الْوَقْتِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِيهِ .
793
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاوَدُ: يَتَطَوَّعُ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ .
794
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ابْدَأْ بِالْمَكْتُوبَةِ ، ثُمَّ تَطَوَّعْبِمَا شِئْتَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ .
795
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : كُلُّ وَاجِبٍ مِنْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ ،أَوْ صَلَاةِ نَذْرٍ ، أَوْ صِيَامٍ - يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ النَّفْلِ .
796
رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ خِلَافَ ذَلِكَ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ فِي الَّذِي يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ :إنَّهُ يُصَلِّي مَعَهُمْ بِصَلَاتِهِمْ ، فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الْعِشَاءَ قَالَ : وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ فِي الْقِيَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ مَكَانًا طَاهِرًا فَلْيُصَلِّ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي الْقِيَامِ .
797
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا مِنْ وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَفِي بَعْضِهَا : فَذَلِكَ وَقْتُهَا .
798
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ الَّتِي هُوَ فِيهَاحَتَّى يُصَلِّيَ الَّتِي ذَكَرَ قَبْلَهَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ - بِقَوْلِهِ هَذَا : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا .
799
قَالُوا : فَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حِينِ الذِّكْرِ ، فَصَارَ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا ، فَإِذَاذَكَرَهَا وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَكَأَنَّهَا مَعَ صَلَاةِ الْوَقْتِ صَلَاتَانِ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ اجْتَمَعَتَا عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ .
800
فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأُولَى مِنْهُمَا ، فَلِذَلِكَ فَسَدَتْ عَلَيْهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
801
وَفَسَادُهَا مِنْ جِهَةِ التَّرْتِيبِ ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ لَاتَجِبُ إِلَّا مَعَ الذِّكْرِ وَحُصُولِ الْوَقْتِ بِالتَّرْتِيبِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ ، وَذَلِكَ صَلَاةُ يَوْمٍ فَمَا دُونَ .
802
فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ الترتيب ، وَكَذَلِكَ سَقَطَ التَّرْتِيبُ مَعَ كَثْرَةِ الْعَدَدِ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ ، وَمَا لَا يُطَاقُ عَلَيْهِ ، وَيَفْحُشُ الْقِيَاسُ فِيهِ ; لِأَنَّهُلَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ عَامٍ فَرَّطَ فِيهَا ، أَوْ ذَكَرَ صَلَاةً بَيْنَ وَقْتِهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ وَقْتِهِ عَامٌ قَبُحَ بِالْمُفْتِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَلَاةِ عَامٍ وَنَحْوِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ وَقْتِهِ .
803
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بِحَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ ، وَاسْمُهُ حَبِيبُ بْنُ سِبَاعٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَغْرِبَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ؟ قَالُوا : لَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ .
804
وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ مَجْهُولِينَ لَا تَقُومُ بِهِمْ حُجَّةٌ .
805
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَدَاوَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو جَعْفَرٍالطَّبَرِيُّ : لَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
806
وَقَالُوا فِيمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا وَحْدَهُ أَوْ وَرَاءَ إِمَامٍ :يَتَمَادَى فِي صِلَاتِهِ ، فَإِذَا أَتَمَّهَا صَلَّى الَّتِي ذَكَرَ وَلَمْ يُعِدِ الْأُخْرَى بَعْدَهَا .
807
وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِوَاجِبٍ فِيمَا قَلَّ وَلَافِيمَا كَثُرَ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ .
808
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْيَوْمِ وَأَوْقَاتِهِ ، كَمَا يَجِبُ تَرْتِيبُ أَيَّامِرَمَضَانَ فِي رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ .
809
أَلَا تَرَى أَنَّ رَمَضَانَ تَجِبُ الرُّتْبَةُ فِيهِ وَالنَّسَقُ لِوَقْتِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى سَقَطَتِ الرُّتْبَةُ ، وَلَمْيَجِبْ عَلَى الَّذِي لَمْ يَصُمْهُ فِي وَقْتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ إِلَّا عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ؟
810
وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلَمْ يَصُمْهَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانٌآخَرُ أَنَّهُ يَصُومُهُ ، ثُمَّ يَصُومُ الْأَيَّامَ مِنَ الْأَوَّلِ بَعْدَهُ وَلَا يُعِيدُهُ .
811
وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْإِطْعَامِمَعَ قَضَاءِ الْأَيَّامِ لِمَنْ فَرَّطَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الصِّيَامِ .
812
فَأَمَّا دَاوُدُ وَمَنْ نَفَى الْقِيَاسَ فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصُّبْحِ .
813
قَالُوا : فَقَدْ صَلَّى صَلَاةَ سُنَّةٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ فِيهَا لِصَلَاةِ فَرِيضَةٍ فَلَمْ تَفْسُدْعَلَيْهِ ، فَأَحْرَى أَلَّا تَفْسُدَ عَلَيْهِ صَلَاةُ فَرِيضَةٍ إِذَا ذَكَرَ فِيهَا أُخْرَى قَبْلَهَا .
814
وَهَذَا عِنْدِي احْتِجَاجٌ فَاسِدٌغَيْرُ لَازِمٍ مِنْ وُجُوهٍ :
815
( مِنْهَا ) : أَنْلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ .
816
( وَمِنْهَا ) : أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِصَلَاةً قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَاكِرًا فِيهَا صَلَاةً بَعْدَهَا .
817
وَهَذَا لَا خَفَاءَ فِيهِلِمَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ .
818
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى التَّرْتِيبَ إِلَّا إِيجَابَ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ مَنْ نَامَ عَنْهَا أَوْ تَرَكَهَا أَوْنَسِيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَأَنَّهُ لَازِمٌ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً لَمْ يُصَلِّهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ، وَأَنَّ النَّائِمَ عَنْهَا وَالنَّاسِي لَهَا إِذَا ذَكَرَهَا فِي حُكْمِ مَنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِهَا ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِيجَابُ تَرْتِيبٍ .
819
وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ : أَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً كَصَلَاةِ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مَا زَادَ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍوَلَيْلَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبُ ذَلِكَ مَعَ صَلَاةِ وَقْتِهِ ، فَكَذَلِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
820
وَسَيَأْتِي مِنْ هَذَا الْمَعْنَى زِيَادَةُ مَسَائِلَ عَنِ الْعُلَمَاءِ يَزِيدُ النَّاظِرُفِيهَا بَيَانًا وَعِلْمًا عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
821
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَأَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : مَعْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ إِذَا ذَكَرَهَا .
822
هَذَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِيالْعَالِيَةِ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ .
823
وَقَدْ قُرِئَتْ : ( لِلذِّكْرَى ) عَلَى هَذَاالْمَعْنَى ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ .
824
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَأَقِمِ الصَّلاةَلِذِكْرِي : أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا .

قَالَ : فَإِذَا صَلَّى عَبْدٌ ذَكَرَ رَبَّهُ .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث