حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار

مرسل زيد بن أسلم في تعريس النبي ليلة بطريق مكة

مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، أَنَّهُ قَالَ : عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ ، فَرَقَدَ بِلَالٌ ، وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ ، وَقَدْ فَزِعُوا ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنْزِلُوا ، وَأَنْ يَتَوَضَّؤُوا ، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا ، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا ، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا ، ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا ، فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا . ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا ، فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ . 825 - وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فِي التَّمْهِيدِ بِمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ .

826
وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَوْمَهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً .
827
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرَّتَيْنِ ; لِأَنَّ فِيحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَا أُوقِظُكُمْ .
828
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ ;لِأَنَّ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ بِلَالًا كَانَ مُوَكَّلًا بِذَلِكَ عَلَى مَا فِي حَدِيثَيْ مَالِكٍ .
829
وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ ذَلِكَ النَّوْمَ كَانَ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَمَنَالْحُدَيْبِيَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا : زَمَنَ خَيْبَرَ ، وَفِي بَعْضِهَا : بِطَرِيقِ مَكَّةَ .
830
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ وَاحِدًا ; لِأَنَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَتْ زَمَنَ خَيْبَرَ وَهُوَطَرِيقُ مَكَّةَ لِمَنْ شَاءَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
831
وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِيغَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
832
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ وَقَدْ مَضَى مَعْنَى التَّعْرِيسِ ، وَكَثِيرٌ مِنْمَعَانِي أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ .
833
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ وَقَدْ فَزِعُوا تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ فِيهِ : ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْفَزَعِهِمْ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا .
834
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ لَمَّا رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَزَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَجْلِ عَدُوٍّ يَخْشَوْنَهُ ، وَلَوْ كَانَ فَزَعُهُمْمِنَ الْعَدُوِّ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِمَّنْ فَسَّرَ الْمُوَطَّأَ : أَنَّ فَزَعَهُمْ كَانَ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ لَمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ .
835
وَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي فَزَعِهِمْ أَنَّهُ كَانَ وَجَلًا وَإِشْفَاقًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا سُقُوطَ الْمَأْثَمِ عَنِ النَّائِمِ ، وَعَدُّوهُ تَفْرِيطًا .
836
فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَيْسَفِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ .
837
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ فِيمَامَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ .
838
وَقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُهُمْ مِنْ هَذَا الْوَادِي ، وَمَاذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ فِي ذَلِكَ .
839
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ: فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ .
840
وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ :فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي .
841
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمُ اقْتَادَ رَاحِلَتَهُ ، وَبَعْضُهُمْ رَكِبَ عَلَى مَا فَهِمُوا مِنْ أَمْرِهِ بِذَلِكَكُلِّهِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فَاقْتَادُوا ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَرَكِبُوا .
842
وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَعَارُضٌ وَلَا تَدَافُعٌ ،وَمُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ مِنَ الْقَوْلِ ذَلِكَ كُلُّهُ .
843
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، فِي حَدِيثِ نَوْمِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّفَرِ ، قَالَ : فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي مُعَرَّسِهِ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ .
844
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : فَقُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَيُّ سَفَرٍ كَانَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي .
845
قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي سَيْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ أَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ، وَتَرْكَهُ لِلصَّلَاةِ كَانَ لِبَعْضِ مَا وَصَفَنَا فِي الْحَدِيثِقَبْلَ هَذَا ، لَا لِأَنَّهُ انْتَبَهَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ كَمَا زَعَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ ; لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَحِلُّ فِيهِ صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَالصَّلَاةُ الْمَسْنُونَةُ أَحْرَى أَنْ تَحِلَّ فِيهِ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ .
846
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِقَوْلِ الْحِجَازِيِّينَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِفِي سَفَرِهِ ثُمَّ انْتَبَهَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَزِمَهُ الزَّوَالُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ .
847
وَإِذَا كَانَ وَادِيًا خَرَجَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ارْكَبُوا وَاخْرُجُوامِنْ هَذَا الْوَادِي ، إِنَّ ( الشَّيْطَانَ ) هَدَّأَ بِلَالًا كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ .
848
قَالَ : فَكُلُّ مَوْضِعٍ يُصِيبُ الْمُسَافِرِينَ فِيهِ مِثْلُ مَا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا ، فَيَنْبَغِي الْخُرُوجُ ( مِنْهُ) وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَشْؤُومٌ مَلْعُونٌ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُصَلِّيَ بِأَرْضِ بَابِلَ ; فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ .
849
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّاأَتَى وَادِيَ ثَمُودَ أَمَرَ النَّاسَ فَأَسْرَعُوا وَقَالَ : هَذَا وَادٍ مَلْعُونٌ .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِمَاءِ ذَلِكَ الْوَادِي فَطُرِحَ . 850 - وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : أَمَّا ذَلِكَ الْوَادِي وَحْدَهُ إِنْ عُلِمَ وَعُرِضَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَارِضِ فَوَاجِبٌ الْخُرُوجُ مِنْهُ عَلَى مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمَوَاضِعِ فَلَا . 851 - وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ وَحْدَهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي .

852
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا .
853
وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ مَوْضِعًا مِنَ الْمَوَاضِعِإِلَّا مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي خَاصَّةً .
854
وَقَالَ آخَرُونَ : كُلُّ مَنِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمٍ ، أَوْ ذَكَرَ بَعْدَ نِسْيَانٍ ، أَوْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا ثُمَّ ثَابَ إِلَى أَدَائِهَا ، فَوَاجِبٌعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُقِيمَ صَلَاتَهُ تِلْكَ بِأَعْلَى مَا يُمْكِنُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَهَا فِيهِ : وَادِيًا كَانَ ، أَوْ غَيْرَ وَادٍ .
855
وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْضِعَ الطَّاهِرَ ( فِي وَادٍ تُؤَدَّى الصَّلَاةُ فِيهِ ) وَسَوَاءٌ ذَلِكَ الْوَادِي وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ خُصُوصٌلَهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ حُضُورِ الشَّيَاطِينِ بِالْمَوَاضِعِ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ لَمْ يَحْضُرْهُ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ .
856
وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ فِي الْمَبْسُوطِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ : لَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي وَادٍ أَنْيُؤَخِّرَهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ .
857
وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَلَا مِنْ غَيْرِهِ مَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ قَالَ : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي .
858
قَالَ أَبُو عُمَرَ : الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدِي وَفِيهِ الْحُجَّةُ لِمَنِ اعْتَصَمَبِهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا .
859
وَلَمْ يَخُصَّ وَادِيًا مِنْغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
860
وَفِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا مَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ ، وَالْمَزْبَلَةِ ، وَالْحَمَّامِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ ، إِذَا سَلِمَ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ النَّجَاسَةِ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ نَاسِخٌ لِكُلِّ مَا خَالَفَهُ .
861
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ بِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَفَضَائِلُهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَاالنَّسْخُ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَتْرَى بِهِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُبْتَزَّ شَيْئًا مِنْهَا ، بَلْ كَانَ يُزَادا فِيهَا .
862
أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا غَيْرَ نَبِيٍّ ، ثُمَّ نَبَّأَهُ اللَّهُ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَصَارَ رَسُولًا نَبِيًّا ، ثُمَّ غَفَرَ لَهُمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَبْعَثَهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ فَضْلَهُ عَنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ؟
863
وَفِي كُلِّ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ جَاءَتِ الْآثَارُ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ: كُنْتُ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا ، وَكُنْتُ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا .
864
وَمِمَّا يُوَضِّحُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُعَنْهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ أَنَّهُ قَالَ : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ .
865
وَقَالَ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إِنِّيخَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى .
866
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : مَا خَيْرُالْبَرِيَّةِ ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ .
867
ثُمَّ شَكَّ فِي نَفْسِهِ وَفِي مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَلَمْ يَدْرِ مَنْ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُ قَبْلُ .
868
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَنْتَ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكُرَمَاءِ ، فَقَالَ: ذَلِكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ .
869
ثُمَّ لَمَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأَخْبَرَأَنَّهُ يُبْعَثُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ ، قَالَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ .
870
فَلِذَلِكَ قُلْنَا : إِنَّ فَضَائِلَهُ لَا يَجُوزُعَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا التَّبْدِيلُ وَلَا النَّقْصُ .
871
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أُوتِيتُ خَمْسًا ، وَقَدْ رُوِيَ سِتًّا ، وَرُوِيَ فِيهِ ( ثَلَاثًا ) وَ( أَرْبَعًا ) ، وَهِيَ تَنْتَهِي إِلَى أَكْثَرِ مِنْ سَبْعٍ ، قَالَ : فِيهِنَّ : لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ولَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُتِيتُ الشَّفَاعَةُ ، وَبُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ ، وَزُوِيَتْ لِي مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا ، وَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرُ وَهُوَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَعَذْبٌ ، وَلِي حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا ، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ .
872
فَهَذِهِ كُلُّهَا فَضَائِلُ خُصَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ - مِنْهَا قَوْلُهُ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا .
873
وَهَذِهِ الْخِصَالُ رِوَايَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ مَا لَمْيَذْكُرْهُ غَيْرُهُ ، وَهِيَ صِحَاحٌ ، وَرُوِيَتْ فِي آثَارٍ شَتَّى .
874
فَلِذَلِكَ قُلْنَا : إِنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُمَسْجِدًا وَطَهُورًا نَاسِخٌ لِلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي وَغَيْرِهِ ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ طَاهِرٍ .
875
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ ، وَأَتَيْنَا بِالْحُجَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ وَالِاعْتِبَارِعَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ فِي بَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
876
وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ فِي نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَزْبَلَةِ ، وَالْمَجْزَرَةِ ، وَالْمَقْبَرَةِ ، وَالْحَمَّامِ ، وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ ، مَزْبَلَةُ كَذَا ، وَلَامَجْزَرَةُ كَذَا ، وَلَا حَمَّامُ كَذَا ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : مَقْبَرَةُ كَذَا ، وَلَا أَنْ يُقَالَ : مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ ، فَلَا حُجَّةَ وَلَا دَلِيلَ .
877
وَأَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنَاهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ .
878
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فِيبَابِ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ التَّمْهِيدِ .
879
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي مُرْسَلِ حَدِيثِ زَيْدٍ هُنَا : ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًاأَنْ يُؤَذِّنَ أَوْ يُقِيمَ ، فَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَلَى الشَّكِّ .
880
وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنَ التَّنَازُعِ وَالْأَقْوَالِ فِيالْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا .
881
وَمَضَى الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ ،فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ هُنَا .
882
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَاذَكَرَهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ، فَقَدْ مَضَى مَا لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَالْكُوفِيِّينَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .

883 - وَتَقَدَّمَ أَيْضًا قَوْلُهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِهِمْ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا وُجُوبُ تَرْتِيبِ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ إِذَا كَانَتْ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . 884 - وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي إِسْقَاطِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي ذَلِكَ ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، وَوُجُوهُ أَقْوَالِهِمْ ، وَتَلْخِيصُ مَذَاهِبِهِمْ ، كُلُّ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ مُجَوَّدٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هُنَا ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث