حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار

حديث عائشة ويل للأعقاب من النار

مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْم مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ . فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ! أَسْبِغِ الْوُضُوءَ . فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ .

1331 - هَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى مُتَّصِلًا مُسْنَدًا عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ . وَقَدْ ذَكَرْتُهَا كُلَّهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 1332 - وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ لَا عِلَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسَانِيدِهَا وَلَا مَقَالَ .

1333 - وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ : غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ . 1334 - وَفِي ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَرُوِيَتْ بِخَفْضِ أَرْجُلِكُمْ وَنَصْبِهَا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ غَسْلُ الْأَرْجُلِ لَا مَسْحُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ شَأْنُهُ اسْتِيعَابَ الْمَمْسُوحِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَّ ( الْأَرْجُلَ ) عَطَفَهَا عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْمَعْنَى ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا الْغَسْلُ ، عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ . كَأَنَّهُ قَالَ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ، وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ .

وَالْقِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ . 1335 - وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَسْلَ مُخَالِفٌ لِلْمَسْحِ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَبْطُلَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالْأُخْرَى ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْغَسْلَ ، أَوِ الْعَطْفَ عَلَى اللَّفْظِ . 1336 - وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : وَأَرْجُلِكُمْ بِالْخَفْضِ .

فَقَالَ : هُوَ الْغَسْلُ . 1337 - وَهَذَا التَّأْوِيلُ تُعَضِّدُهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِي وُضُوئِهِ مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا . 1338 - وَجَاءَ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ مُوَافِقًا لِفِعْلِهِ فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ ، وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ .

1339
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَلْفَاظَ بِهَذِهِالْآثَارِ مُسْنَدَةً فِي التَّمْهِيدِ .
1340
وَقَدْ وَجَدْنَا الْعَرَبَ تَخْفِضُ بِالْجِوَارِ وَالْإِتْبَاعِ عَلَى اللَّفْظِ بِخِلَافِ الْمَعْنَى وَالْمُرَادُ عِنْدَهَا الْمَعْنَى ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍّ مُزَمَّلِ فَخَفَّضَ بِالْجِوَارِ ، وَإِنَّمَاالْمُزَمَّلُ الرَّجُلُ وَالْإِعْرَابُ فِيهِ الرَّفْعُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْضًا : صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ وَكَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ : أَوْ قَدِيرًا مُعَجَّلًا ، وَلَكِنَّهُ خَفَضَ لِلْإِتْبَاعِ .
1341
وَكَمَا قَالَ زُهَيْرٌ : لَعِبَ الزَّمَانُ بِهَا وَغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي الْمُورِ وَالْقَطْرِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ الْوَجْهُ ( وَالْقَطْرُ) بِالرَّفْعِ ، وَلَكِنَّهُ جَرَّهُ بِالْجِوَارِ عَلَى ( الْمُورِ ) ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ : هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ .

1342 - وَمِنْ هَذَا قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٍ بِالْجَرِّ ، لِأَنَّ النُّحَاسَ هُوَ الدُّخَانُ . وَقِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ : ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ بِالْخَفْضِ . 1343 - وَمِنْ هَذَا أَيْضًا قَوْلُ النَّابِغَةِ : لَمْ يَبْقَ غَيْرَ طَرِيدٍ غَيْرِ مُنْفَلِتٍ أَوْ مُوثَقٌ فِي حِبَالِ الْقَدِّ مَسْلُوبِ فَخَفَضَ .

1344
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ الْآخَرُ : فَهَلْ أَنْتَ إِنْ مَاتَتْ أَتَانُكَ رَاحِلٌإِلَى آلِ بِسِطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَخَاطَبِ ؟ بِكَسْرِ الْبَاءِ .
1345
وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّاعِرِ : حَيِّ دَارًا أَعْلَامُهَا بِالْجَنَابِ مِثْلُ مَا لَاحَ فِي الْأَدِيمِ الْكِتَابِ فَجَرَّ ( الْكِتَابَ ) بِالْجِوَارِ لِ ( الْأَدِيمِ )وَمَوْضِعُهُ الرَّفْعُ بِ ( لَاحَ ) ، وَقَدْ يَكُونُ ( الْكِتَابُ ) مَخْفُوضًا رَدًّا عَلَى ( مَا ) بَدَلًا مِنْ ( مَا ) .
1346
وَقَدْ يُرَادُ بِالْمَسْحِ الْغَسْلُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: تَمَسَّحْتُ لِلصَّلَاةِ ، وَالْمُرَادُ : الْغَسْلُ .
1347
وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي إِيجَابِ غَسْلِالرِّجْلَيْنِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْآثَارِ .
1348
وَإِنَّمَا رُوِيَ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ ، وَتَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ .
1349
وَلَوْ كَانَ مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ يُجْزِئُ مَا أَتَى الْوَعِيدُ بِالنَّارِ عَلَى مَنْ لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَيْهِ وَعُرْقُوبَيْهِ ،أَوْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ بُطُونِ قَدَمَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ بِالنَّارِ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ .
1350
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ مَنْ غَسَلَ قَدَمَيْهِ فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ : مَنْقَالَ مِنْهُمْ بِالْمَسْحِ ، وَمَنْ قَالَ بِالْغَسْلِ ، فَالْيَقِينُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ .
1351
وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي دُخُولِ الْكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ - كَمَا ذَكَرْنَا فِي دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الذِّرَاعَيْنِ ،وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَتَلْخِيصُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمِرْفَقَيْنِ إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُمَا مَعَ الْقَطْعِ غُسِلَ .
1352
قَالَ : وَأَمَّا الْكَعْبَانِ إِذَا قُطِعَتِ الرِّجْلُ عَلَى السُّنَّةِ فِي سَرِقَةٍ أَوْخِرَابَةٍ فَهُمَا بَاقِيَانِ فِي الْقَطْعِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِمَا مَعَ الرِّجْلَيْنِ .
1353
وَالْكَعْبَانِ : هُمَا النَّاتِئَانِفِي طَرَفِ السَّاقِ .
1354
وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدِبْنِ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدَ فِي الْكَعْبَيْنِ .
1355
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لِلنَّاسِفِي الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
1356
فَالَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ فِي الْقَدَمِكَعْبًا وَفِي السَّاقِ كَعْبًا ، فَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ .
1357
قَالَ : وَغَيْرُهُ يَقُولُ : فِي كُلِّ قَدَمٍكَعْبٌ ، وَمَوْضِعُهُ ظَهْرُ الْقَدَمِ مِمَّا يَلِي السَّاقَ .
1358
قَالَ : وَآخَرُونَ يَقُولُونَ : الْكَعْبُ : هُوَ الدَّائِرُ بِمَغْرَزِالسَّاقِ ، وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْعُرُوقِ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ عَلَى الْعَرَاقِيبِ .
1359
قَالَ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ: الْكَعْبَانِ هُمَا الْعُرْقُوبَانِ .

1360 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ قَالَ فِي الْكَعْبَيْنِ بِقَوْلِنَا بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ . 1361 - وَالْعُرْقُوبُ : هُوَ مَجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ . وَالْعَقِبُ : هُوَ مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ تَحْتَ الْعُرْقُوبِ .

1362 - وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ مِنْ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْغُسْلِ ، وَلَا خَيْرَ فِي الْجَفَاءِ وَالْغُلُوِّ ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَغَيْرُهُ عَنْهُ . 1363 - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : تَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ . وَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَيْهَا .

1364
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَوَضَّأَ فِي نَهْرٍ فَحَرَّكَرِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ : إِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَغْسِلَهُمَا بِيَدَيْهِ .
1365
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَإِنْ قَدَرَعَلَى غَسْلِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى أَجَزَأَ .
1366
قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَلْزَمُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْغَسْلَ لَا يَكُونُإِلَّا بِمُرُورِ الْيَدَيْنِ أَنْ يَقُولَ : لَا يُجْزِئُهُ غَسْلُ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى .
1367
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يُدَلِّكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ .
1368
وَهَذَا عِنْدَنَا مَحْمُولٌعَلَى الْكَمَالِ .
1369
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ : لَمَّا حَدَّثْتُ مَالِكًا بِحَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ رَأَيْتُهُ يَتَعَهَّدُ ذَلِكَ فِي وُضُوئِهِ .
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث