حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار

ما أثر عن عمر في الوضوء بالماء لما تحت إزاره

قَالَ يَحْيَى : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ فَنَسِيَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ ، أَوْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ، فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ فَلْيُمَضْمِضْ وَلَا يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ . وَأَمَّا الَّذِي غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ فَلْيَغْسِلْ وَجْهَهُ ، ثُمَّ لِيُعِدْ غَسْلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَكُونَ غَسْلُهُمَا بَعْدَ وَجْهِهِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ ، أَوْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ . 1383 - قَوْلُهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ عِنْدَهُ لَا يُرَاعَى فِي الْمَسْنُونِ مَعَ الْمَفْرُوضِ ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي الْمَفْرُوضِ مِنَ الْوُضُوءِ ، إِلَّا أَنَّ مُرَاعَاتَهُ لِذَلِكَ مَا دَامَ فِي مَكَانِهِ ، فَإِنْ بَعُدَ شَيْئًا اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ ، وَلَوْ صَلَّى لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ .

1384 - وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ إِلَّا عَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ ، فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ . 1385 - وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : مَنْ نَكَسَ مِنْ مَفْرُوضِ وُضُوئِهِ شَيْئًا أَصْلَحَ وُضُوءَهُ بِالْحَضْرَةِ ، فَأَخَّرَ مَا قَدَّمَ ، وَغَسَلَ مَا بَعْدَهُ . وَإِنْ كَانَ قَدْ تَطَاوَلَ غَسَلَ مَا نَسِيَ وَحْدَهُ .

1386 - قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخَّرَ مِنَ الْوُضُوءِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ . وَالصَّوَابُ غَسْلُ مَا بَعْدَهُ إِلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ لِيَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَمُطَرِّفٌ . 1387 - وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ وَلَمْ يُصَلِّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْوُضُوءَ عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ ثُمَّ يُصَلِّيَ ، فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَمْ نَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ عَلَى النَّسَقِ لِمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَلَا يَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ .

1388
وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ : تَرْتِيبُ الْوُضُوءِ عِنْدَ مَالِكٍ سُنَّةٌ لَايَنْبَغِي تَرْكُهَا ، وَلَا يُفْسِدُونَ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى بِوُضُوءٍ مَنْكُوسٍ .
1389
وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، والْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُونَ : مَنْ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ أَوْرِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ، أَوْ قَدَّمَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ غَسْلِ يَدَيْهِ ، أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهِهِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ فَذَلِكَ يُجْزِيهِ إِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ الصَّلَاةَ .
1390
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّعْقِيبَ وَلَاتُعْطِي رُتْبَةً عِنْدَ جَمَاعَةِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ .

وَقَالُوا فِي قَوْلِ الْعَرَبِ : أَعْطِ زَيْدًا وَعَمْرًا دِينَارًا دِينَارًا : إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَطَاءِ ، وَلَا يُوجِبُ تَقْدِمَةَ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو فِي الْعَطَاءِ . قَالُوا : فَقَوْلُهُ تَعَالَى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِنَّمَا يُوجِبُ ذَلِكَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْغُسْلِ وَلَا يُوجِبُ النَّسَقَ . 1391 - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَبَدَأَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الْعُمْرَةِ ، وَجَائِزٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ .

1392
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
1393
وَجَائِزٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ فِي حِينِ صَلَاةٍ أَنْيَبْدَأَ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ .
1394
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَتَحْرِيرُرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ
1395
لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ إِخْرَاجُ الدِّيَةِ وَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ أَنْيُخْرِجَ الدِّيَةَ وَيُسَلِّمَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَرِّرَ الرَّقَبَةَ . وَهَذَا مَنْسُوقٌ بِالْوَاوِ ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ .
1396
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ رُتْبَةً ، قَالُوا : وَلَسْنَا نُنْكِرُ - إِذَا صَحِبَ الْوَاوَ بَيَانٌ يُوجِبُ التَّقْدِمَةَ - أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِمَوْضِعِالْبَيَانِ ، كَمَا وَرَدَ الْبَيَانُ بِالْإِجْمَاعِ فِي قَوْلِهِ : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ .
1397
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ حَقَّ الْوَاوِ فِي اللُّغَةِ التَّسْوِيَةُلَا غَيْرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْبَيَانُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَنَحْفَظُهُ .
1398
قَالُوا : وَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ تُوجِبُ الرُّتْبَةَ مَا احْتَاجَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْيُبَيِّنَ الِابْتِدَاءَ بِالصَّفَا ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ ذَلِكَ إِعْلَامًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنَ الْوَاوِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ .
1399
وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُبْدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُبِهِ ، وَإِنَّمَا التَّنَازُعُ فِيمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ .
1400
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا نُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِنَا بَدَأْنَافِي الْوُضُوءِ إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي ، وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَلَمْ يَبِنْ لَهُمْ مِنَ الْآيَةِ إِلَّا مَعْنَى الْجَمْعِ لَا مَعْنَى التَّرْتِيبِ .
1401
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
1402
وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجَمْعَ لَا الرُّتْبَةَ ، وَلَيْسَ وُضُوءُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ أَبَدًا- بَيَانًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ كَبَيَانِهِ لِرَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ بَيِّنَةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الْبَيَانِ ، وَالصَّلَوَاتُ مُجْمَلَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ .
1403
هَذِهِ جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْقَائِلِينَبِقَوْلِ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ فِي مَسْأَلَةِ تَنْكِيسِ الْوُضُوءِ .
1404
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ إِلَّا الْمُزَنِيَّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ- كُلُّهُمْ يَقُولُ : مَنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَلَا تُجْزِئُهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَكُونَ وُضُوءُهُ عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ .
1405
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو مُصْعَبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَذَكَرَهُ عَنْأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَالِكًا مِنْهُمْ وَإِمَامٌ فِيهِمْ .
1406
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : مَنْ قَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ يَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِوَلَمْ يَتَوَضَّأْ عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَةِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِمَا صَلَّى بِذَلِكَ الْوُضُوءِ .
1407
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنْ قَالُوا : الْوَاوُ تُوجِبُ الرُّتْبَةَوَالْجَمْعَ جَمِيعًا ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ عَنِ الْكِسَائِيِّ ، وَالْفَرَّاءِ ، وَهِشَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ .
1408
قَالُوا : وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي فَائِدَةِ الْخِطَابِفِي قَوْلِ الْقَائِلِ : أَعْطِ زَيْدًا وَعَمْرًا .

1409 - قَالُوا : وَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ تُوجِبُ الرُّتْبَةَ أَحْيَانًا كَمَا قَالَ : ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَلَا تُوجِبُهَا أَحْيَانًا كَمَا قَالَ : اسْجُدِي وَارْكَعِي لَكَانَ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ بَيَانٌ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ مُنْذُ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ إِلَّا عَلَى نَسَقِ الْآيَةِ . فَصَارَ ذَلِكَ فَرْضًا ، كَمَا كَانَ بَيَانُهُ لِعَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ فَرْضًا . 1410 - وَضَعَّفُوا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَالُوا : هَذَا مُنْقَطِعٌ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ .

1411 - وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنَّمَا يَرْوِيهِ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَالْمُنْقَطِعُ مِنَ الْحَدِيثِ لَا تَجِبُ بِهِ حُجَّةٌ . 1412 - قَالُوا : عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ فِيهِ مِنْ صَحِيحِ النَّقْلِ إِلَّا قَوْلَهُ : مَا أُبَالِي بِالْيُمْنَى بَدَأَتُ أَوْ بِالْيُسْرَى ، وَهَذَا مَا لَا تَنَازُعَ فِيهِ إِلَّا مَا فِي الِابْتِدَاءِ بِالْيُمْنَى مِنَ الِاسْتِحْبَابِ رَجَاءَ الْبَرَكَةِ ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ .

1413
قَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : أَنْتُمْ تُقِرُّونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ ، وَقَضَى رَسُولُاللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ مَشْهُورٌ ثَابِتٌ عَنْ عَلِيٍّ .
1414
قَالُوا : فَهَذَا عَلِيٌّ قَدْ أَوْجَبَتْ عِنْدَهُ ( أَوْ ) الَّتِي هِيَ فِيأَكْثَرِ أَحْوَالِهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ - الْقَبْلَ وَالْبَعْدَ ، فَالْوَاوُ عِنْدَهُ أَحْرَى بِهَذَا .
1415
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ عَمِلْتُ بِهِ مَا نَدِمْتُ عَلَى الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِاللَّهِ أَلَّا أَكُونَ مَشَيْتُ ؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ فبدأ بالرِّجَالِ .
1416
فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَاوَتُوجِبُ عِنْدَهُ الْقَبْلَ ، وَالْبَعْدَ ، وَالتَّرْتِيبَ .
1417
وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا
1418
قَالَ : ضَجَّ وَاللَّهِ الْقَوْمُ مِنَ الصَّغَائِرِ قَبْلَ الْكَبَائِرِ، فَهَذَا أَيْضًا مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
1419
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَيْنِ عَنْهُمَابِأَسَانِيدِهِمَا فِي التَّمْهِيدِ .
1420
قَالُوا : وَحُرُوفُ الْعَطْفِ كُلُّهَا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُوجِبُ الرُّتْبَةَ إِلَّا الْوَاوَ ،فَإِنَّهُمُ قد اخْتَلَفُوا فِيهَا ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ أَخَوَاتِهَا مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ .
1421
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَالرَّاكِعِينَ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ عِبَادَتُهَا فِي شَرِيعَتِهَا السُّجُودُ قَبْلَ الرُّكُوعِ .
1422
وَإِنْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهَا بِالْقُنُوتِ وَهُوَ الطَّاعَةُ ،ثُمَّ السُّجُودِ وَهُوَ الصَّلَاةُ بِعَيْنِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَأَدْبَارَ السُّجُودِ يُرِيدُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ .
1423
ثُمَّ قَالَ : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَأَيْ : اشْكُرِي مَعَ الشَّاكِرِينَ .
1424
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَخَرَّ رَاكِعًاوَأَنَابَ أَيْ : سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ .
1425
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ .
1426
قَالُوا : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا فَأَجْمَعُوا أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ الرُّكُوعِ .
1427
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِفَبَدَأَ بِالصَّفَا ، وَقَالَ : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ
1428
قَالُوا : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُخُولُ الْمَسْحِ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجْلَيْنِ وَأَخَّرَ الْمَسْحَ لَمَا فُهِمَ الْمُرَادُ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَسْحِ ، فَأَدْخَلَ الْمَسْحَ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ قُدِّمَ عَلَى الرِّجْلَيْنِلِيَثْبُتَ تَرْتِيبُ الرَّأْسِ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ . وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ، وَلَمَا احْتَاجَ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ مُلْتَبِسٍ مُحْتَاجٍ إِلَى التَّأْوِيلِ لَوْلَا فَائِدَةُ التَّرْتِيبِ فِي ذَلِكَ .

1429 - أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الرَّأْسِ لَيْسَ مِنْ جَعْلِ الرِّجْلَيْنِ مَمْسُوحَتَيْنِ فَالْفَائِدَةُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ . وَلِهَذَا وَرَدَتِ الْآيَةُ بِدُخُولِ الْمَسْحِ بَيْنَ الْغَسْلَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 1430 - قَالُوا : وَلَيْسَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ فِي التَّقْدِمَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي شَيْءٍ ، لِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا فِي بَدَنٍ ، وَالْآخَرُ فِي بَدَنٍ وَقَدْ يَجِبُ أَحَدُهُمَا عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْآخَرُ .

وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَالرَّقَبَةُ : شَيْئَانِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إِلَى الرُّتْبَةِ . 1431 - وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَفَرْضٌ وَاحِدٌ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَكَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اللَّذَيْنِ أُمِرْنَا فِيهِمَا بِالتَّرْتِيبِ . 1432 - قَالُوا : وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فِي الْعَطَاءِ وَبَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فِي عَطِيَّةٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِلَّا عَلَى الرُّتْبَةِ .

فَالْوَاجِبُ أَلَّا يُقَدَّمَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ قَطُّ ، وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَتَاهُمَا ، وَرُبَّمَا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا . فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّتْبَةَ فِي الْوُضُوءِ كَهِيَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 1433 - وَرَجَّحُوا قَوْلَهُمْ بِالِاحْتِيَاطِ الْوَاجِبِ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ .

قَالُوا : لِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى النَّسَقِ وَصَلَّى كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً بِإِجْمَاعٍ . 1434 - هَذَا جُمْلَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَهُمْ إِدْخَالَاتٌ وَاعْتِرَاضَاتٌ ، وَعَلَيْهِمْ مِثْلُهَا يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا وَلَا مَعْنَى لِلْإِتْيَانِ بِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث11 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث