( 8 ) بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . 63 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ . قَالَ الْمُغِيرَةُ : فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، فَغَسَلَ وَجْهَهَ .
ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيِ الْجُبَّةِ ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ . فَغَسْلَ يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ ، فَفَزِعَ النَّاسُ .
فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَحْسَنْتُمْ . 2141 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : حَدِيثُ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ عِلَّةَ إِسْنَادِهِ ، وَمَا وَقَعَ لِمَالِكٍ وَبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ مِنَ الْوَهْمِ فِيهِ . 2142 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ طُرُقَهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
2143 - وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا مَنْ رَوَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ ، وَمَنْ أَفْتَى بِهِ وَعَمِلَ بِهِ مِنْهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمِنَ التَّابِعِينَ ، وَجَمَاعَةِ فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّهُمُ الْكَافَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَالْعَامَّةُ الَّتِي لَا يُحْصَى عَدَدُهَا ، وَصَحِبْنَا مِنْهُمْ أَعْدَادًا فَوَصَلَتِ الرِّوَايَةُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ عَنْهُمْ ، فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ نَظَرَ إِلَيْهِ هُنَاكَ . 2144 - وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ ضُرُوبٌ : مِنْهَا خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزْوِ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ ، وَكَانَتْ تِلْكَ غَزْوَةُ تَبُوكَ آخِرُ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ . وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهِيَ الْغَزْوَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِغَزْوَةِ الْعُسْرَةِ .
2145قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ - إِلَى تَبُوكَ فَصَالَحَهُ أَهْلُ أَيْلَةَ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا .
2146وَذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ : كَانَ خُرُوجُهُ إِلَيْهَافِي رَجَبٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ .
2147وَفِيهِ أَدَبُ الْخَلَاءِ وَالْبُعْدُ عَنِالنَّاسِ عِنْدَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ .
2148وَفِيهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ تَرْكُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُاسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ صَبَّ عَلَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، وَيَدَيْهِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى الْخُفَّيْنِ .
2149وَفِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ : فَتَبَرَّزَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُعَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ، وَتَوَضَّأَ .
2150وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ،عَنْ أَبِيهِ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى جِئْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ .
2151 - وَفِي الْآثَارِ كُلِّهَا أَنَّ الْإِدَاوَةَ كَانَتْ مَعَ الْمُغِيرَةِ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ نَاوَلَهَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ بِهَا ، ثُمَّ لَمَّا انْصَرَفَ رَدَّهَا إِلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ مِنْهَا عَلَيْهِ . 2152 - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِيهَا أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ، وَلَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ .
2153فَلِذَلِكَ اسْتَنْبَطَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ هَذَاالْحَدِيثِ أَنَّهُ جَائِزٌ الِاسْتِجْمَارُ بِالْأَحْجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ .
2154وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ :فَتَبرَّزَ لِحَاجَتِهِ قِبَلَ الْغَائِطِ فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً .
2155وَقَالَ مَعْمَرٌ : فَتَخَلَّفَوَتَخَلَّفْنَا مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ .
2156وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مَنْ كَرِهَالْأَحْجَارَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
2157فَإِنْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ يَوْمَئِذٍ مِنْ نَقْلِ مَنْ يُقْبَلُ نَقْلُهُ وَإِلَّا فَالِاسْتِدْلَالُ مِنْحَدِيثِ مَالِكٍ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ صَحِيحٌ بِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَرْكُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَالْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى الْأَحْجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ .
2158وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ الْيَوْمَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَأَنَّ الْأَحْجَارَ رُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ ، وَأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهَا جَائِزٌ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ .
2159 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ . 2160 - وَفِيهِ لُبْسُ الضَّيِّقِ مِنَ الثِّيَابِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ : وَذَلِكَ فِي الْغَزْوِ مُسْتَحَبٌّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأَهُّبِ وَالِانْشِمَارِ وَالتَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لِبَاسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ . وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عِنْدَنَا فِي الْحَضَرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوقَفْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي السَّفَرِ .
2161وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي لَا طُولَ فِيهِ جَائِزٌ بَيْنَ أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ اسْتِئْنَافُالْوُضُوءِ ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْوُضُوءِ كَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ ، وَغَسْلِ الْإِنَاءِ ، وَنَزْعِ الْخُفِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
2162فَإِنْ أَخَذَ الْمُتَوَضِّئُ فِي غَيْرِ عَمَلِ الْوُضُوءِ وَطَالَ تَرْكُهُ لِلْوُضُوءِ اسْتَأْنَفَهُ مِنْ أَوَّلِهِ ،وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ شُغْلًا وَهُوَ يَتَوَضَّأُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ وُضُوئِهِ .
2163وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لَايَقْطَعُهَا فَهُوَ أَحْرَى أَلَّا يَقْطَعَ الْوُضُوءَ .
2164وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْفَاضِلَ وَالْعَالِمَ وَالسُّلْطَانَ جَائِزٌ أَنْ يُخْدَمَ وَيُعَانَ عَلَىحَوَائِجِهِ وَإِنْ كَانَ أَعْوَانُهُ فِي ذَلِكَ أَحْرَارًا لَيْسُوا بِغِلْمَانِ رِقٍّ .
2165وَفِيهِ الْوُضُوءُ بِمَا لَا تَدْخُلُ فِيهِ الْيَدُ مِنَ الْآنِيَةِ ،فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَسُنَ الصَّبُّ حِينَئِذٍ مِنْهُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ .
2166وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا خِيفَ فَوْتُ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، أَوْ فَوْتُالْوَقْتِ الْمُخْتَارِ مِنْهَا لَمْ يُنْتَظَرِ الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا جِدًّا .
2167وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ أَوَّلَالْوَقْتِ أَفْضَلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ .
2168وَقَالَ : مَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -لَمْ يَكُنْ لِيَشْتَغِلَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا كُلُّهُ .
2169وَقَالَ : لَوْ أُخِّرَتِ الصَّلَاةُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا لَأُخِّرَتْ لِإِمَامَتِهِ ، عَلَيْهِالسَّلَامُ ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، إِذْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي السَّفَرِ .
2170وَفِيهِ جَوَازُ أَنْ يُقَدِّمَ النَّاسُ فِي مَسَاجِدِهِمْ إِمَامًا لِأَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَالِي ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالْجُمُعَةِالَّتِي هِيَ إِلَى الْوُلَاةِ ، وَلَا يُفْتَاتُ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَّا أَنْ يُعَطِّلُوهَا ، أَوْ تَنْزِلَ نَازِلَةٌ ضَرُورَةً .
2171وَفِيهِ جَوَازُ ائْتِمَامِ الْوَالِي فِيعَمَلِهِ بِرَجُلٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ .
2172وَفِيهِ بَيَانٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا يُؤَمَّنَّ أَحَدُكُمْ فِي سُلْطَانِهِإِلَّا بِإِذْنِهِ ، يَعْنِي بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا لِفَضْلٍ فِي الْوَقْتِ وَخَوْفِ فَوْتِهِ .
وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا كَانَ أَشَدَّ ضَرُورَةً مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِثْلَهُ . 2173 - وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْفَاضِلِ خَلْفَ الْمَفْضُولِ . 2174 - وَفِيهِ أَنَّه رَسُولَ اللَّهِ حِينَ صَلَّى مَعَ ابْنِ عَوْفٍ رَكْعَةً جَلَسَ مَعَهُ فِي الْأُولَى ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْأُخْرَى ، فَكَانَ فِعْلُهُ هَذَا كَقَوْلِهِ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ .
2175وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ ذَلِكَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ : أَحْسَنْتُمْدَلِيلٌ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَدَ وَيُشْكَرَ كُلُّ مَنْ بَرَزَ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ وَعَمِلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ .
2176وَفِيهِ فَضْلٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِذْ قَدَّمَهُ جَمَاعَةُ الصَّحَابَةِلِأَنْفُسِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ بَدَلًا مِنْ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
2177وَفِيهِ الْحُكْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ ، وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِلَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ ، إِلَّا قَوْمًا ابْتَدَعُوا فَأَنْكَرُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَقَالُوا : إِنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ ، وَعَمَلُ الْقُرْآنِ نَسَخَهُ .
2178وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولُ اللَّهِكِتَابَ اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ .
2179قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَالذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ
2180وَقَالَ : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَبَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
2181وَالْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ هُمُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ ، وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُالْغَلَطُ وَلَا التَّشَاغُرُ وَلَا التَّوَاطُؤُ ، وَهُمْ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَهُمْ فُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ .
2182وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِنْكَارُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ أَنْكَرَهَاأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ ، وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُ بِإِجَازَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ .
وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى مَوَطَّأَهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُهُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ سَلَكَ الْيَوْمَ سَبِيلَهُ ، لَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 2183 - وَرَوَى شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : رَأَيْتُ جَرِيرًا بَالَ وَتَوَضَّأَ مِنْ مَطْهَرَةٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ . فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا ؟ فَقَالَ : وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَفْعَلَه وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ ؟ .
2184قَالَ إِبْرَاهِيمُ : فَكَانُوا - يَعْنِي أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرَهُمْ - يُعْجِبُهُمْهَذَا الْحَدِيثُ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِهِ ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ .
2185وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ جَرِيرٍوَعَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ .
2186أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْأَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ جَرِيرًا بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : أَمَا يَنْبَغِي أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ؟ .
2187قَالُوا : إِنَّمَا كَانَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ .
2188قَالَ : مَا أَسْلَمْتُإِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ .
2189قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ : كَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ ، وَقِيلَ : فِي أَوَّلِ سَنَةِعَشْرٍ ، وَقِيلَ : فِي أَوَّلِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَفِيهَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
2190وَقَدْ تَأَوَّلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْإِلَى الْكَعْبَيْنِ أَنَّهُ أَرَادَ إِذَا كَانَا فِي الْخُفَّيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ .
2191وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُونَ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
2192وَعَمِلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ، وَسَائِرُ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَأَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ .
2193وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًامِنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ .
2194وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِإِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .
2195فَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَعَنْهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ خِلَافُ ذَلِكَ وَمُوَافَقَةً لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ .
2196ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ فِطْرٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : إِنَّ عِكْرِمَةَيَقُولُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ قَالَ عَطَاءٌ : كَذَبَ عِكْرِمَةُ ، أَنَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا .
2197وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْأَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ .
2198وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَقِيلَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَعَائِشَةَ ، فِي إِنْكَارِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ : حُبِّبَ إِلَيَّ الْغَسْلُ ، فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى قَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ : حُبِّبَ إِلَيَّ الْغَسْلُ لَمْ أَعِبْهُ .
قَالَ : إِلَّا أَنْ يَتْرُكَ رَجُلٌ الْمَسْحَ وَلَا يَرَاهُ كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْبِدَعِ فَهَذَا لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ . 2199 - ثُمَّ قَالَ : نَحْنُ لَا نَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَنَرَى الْمَسْحَ أَفْضَلَ . 2200 - ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا سَائِغًا لَا يُخَالِفُ فِيهِ السَّلَفَ صَلَّيْنَا خَلْفَهُ وَإِنْ كُنَّا نَرَى غَيْرَهُ .
2201ثُمَّ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ مِنَ الدَّمِ وَنَحْنُ نَرَاهُ كُنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَهُإِذًا كُنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمَالِكٍ وَمَنْ سَهَّلَ فِي الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ ! !
2202قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ جَاءَ عَنْهُإِنْكَارُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِمَّنْ لَا يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا عَائِشَةَ .
2203وَكَذَلِكَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ رُوِيَ عَنْهُ إِنْكَارُ ذَلِكَ إِلَّا مَالِكًا وَالرِّوَايَاتُ الصِّحَاحُ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، مُوَطَّؤُهُ يَشْهَدُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَجَمَاعَةُأَهْلِ السُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَسْتَحِبُّ الْغَسْلَ وَيُفَضِّلُهُ عَلَى الْمَسْحِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ لِلْمَسْحِ ، عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ إِلَيَّ الْغَسْلُ .
2204وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَايُحِيكَنَّ فِي صَدْرِ أَحَدِكُمُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَإِنْ جَاءَ مِنَ الْغَائِطِ ، لِأَنِّي كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي الْمَسْحِ .
2205وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : مَسَحَ أَصْحَابُ رَسُولِاللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ .
2206حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُبْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : كَانَ أَبِي لَا يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ إِلَّا أَخَذَ بِأَشَدِّهِ إِلَّا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : هُوَ السُّنَّةُ وَاتِّبَاعُهَا الْأَفْضَلُ .
2207وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَىبَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ .
2208وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ :فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي ذَلِكَ :
2209إِحْدَاهَا - وَهي أَشَدّهَا نَكَارَةً -إِنْكَارُهُ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ .
2210وَالثَّانِيَةُ : كَرَاهِيَةُ الْمَسْحِ فِيالْحَضَرِ وَإِبَاحَتُهُ فِي السَّفَرِ .
2211وَالثَّالِثَةُ إِبَاحَةُ الْمَسْحِفِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ .
وَعَلَى ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، وَالْمَشْرِقِ ، وَالْمَغْرِبِ . 2212 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَحَادِيثُ فِي الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ . 2213 - وَأَحْسَنُهَا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ السَّرْحِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ .
2214قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : فَقُلْتُ لِأَبِي عَلِيٍّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مِقْلَاصٍ: أَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
2215ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلِهِ .
2216قَالَ ابْنُ نَافِعٍ : وَقَالَ لِيأَبُو مُصْعَبٍ : دَارَ حَمْلٍ بِالْمَدِينَةِ .
2217قَالَ : وَقَالَ لِي زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ : قَدْمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ .
2218قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ هَذَا مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِكُلُّهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، وَأَنَّ مَالِكًا انْفَرَدَ بِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ .
2219وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ انْفَرَدَ بِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بِقَوْلِهِ :كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِالْمَدِينَةِ فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ .
2220وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ أَحَدٌ : بِالْمَدِينَةِ غَيْرُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ فَاضِلٌ ، إِلَّاأَنَّهُ خُولِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَسَائِرِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ لَا يَقُولُ فِيهِ : بِالْمَدِينَةِ .
2221قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : السُّبَاطَةُ : الْمَزْبَلَةُ ، وَالْمَزَابِلُلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَضَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
2222قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ ابْنِ وَضَّاحٍ :الْمَزَابِلُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَضَرِ تَحَكُّمٌ مِنْهُ .
2223وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ فِي الْبَادِيَةِ فِي الْحَضَرِ ، وَمَنْمَرَّ بِالْبَادِيَةِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ الْبَوْلُ عَلَيْهَا .
2224وَأَظُنُّ ابْنَ وَضَّاحٍ إِنَّمَا قَصَدَ بِقَوْلِهِ الِاحْتِجَاجَ لِرِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ أَنَّذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، فَجَاءَ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُهَذَّبٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
2225قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ : أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّالْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ لَهُ : سَلْ عَلِيًّا ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
2226وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ جَهْلِ عَائِشَةَ الْمَسْحَ عَلَىالْخُفَّيْنِ ، وَلَيْسَ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا كَمَنْ عَلِمَهُ .
2227وَقَدْ سَأَلَ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ عَلِيًّا كَمَا أَمَرَتْهُ عَائِشَةُ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ : ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ .
2228وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌنَقَلَهُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ .
2229 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقَالَتْ : سَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ . 2230 - رَفَعَهُ كَمَا رَفَعَهُ شُعْبَةُ وَأَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنِ الْحَكَمِ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَرْفُوعًا عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ . وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ مِمَّنْ وَقَفَهُ .
2231 - وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِلْمَسْحِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ بِأَنَّهَا رُخْصَةٌ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ ، قِيَاسًا عَلَى الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ وَالنَّظَرَ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الْأَثَرِ . 2232 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْقِيتِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
2233 - فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا وَقْتَ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ طَاهِرٌ يَمْسَحُ مَا بَدَا لَهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، الْمُقِيمُ وَالْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . 2234 - وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
2235وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَعَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ .
2236وَرُوِيَ فِي الْمَسْحِ بِلَا تَوْقِيتٍ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَدِيثُ أُبَيِّبْنِ عِمَارَةَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ قَائِمٌ .
2237وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ،وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ : لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ .
2238وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ فِيرِسَالَتِهِ إِلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ .
2239وَرُوِيَ التَّوْقِيتُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ : مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِأَبِي طَالِبٍ ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَغَيْرِهِمْ .
2240وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ طُرُقٍ قَدْذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ ، أَكْثَرُهَا مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَبِأَسَانِيدَ حِسَانٍ .
2241وَثَبَتْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى اخْتِلَافٍعَنْهُ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَغَيْرِهِمْ .
2242وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ عِنْدِي لِأَنَّ الْمَسْحَ ثَبَتَبِالتَّوَاتُرِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى ذَلِكَ .
2243فَلَمَّا قَالَ أَكْثَرُهُمْ : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلْمُقِيمِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةٍ ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَجَبَ عَلَى الْعَالِمِأَنْ يُؤَدِّيَ صَلَاتَهُ بِيَقِينٍ ، وَالْيَقِينُ الْغَسْلُ حَتَّى يُجْمِعُوا عَلَى الْمَسْحِ وَيَتَّفِقَ جُمْهُورُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَكُونُ الْخَارِجُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ شَاذًّا كَمَا شَذَّ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ .
2244ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ : قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ ، وَهُمَا طَاهِرَانِ ، وَأَنْتَ مُقِيمٌ ، كَفَاكَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْغَدِ ، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثُ لَيَالٍ .
2245وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِيالْخُفِّ الْمُخَرَّقِ وَالْمَسْحِ عَلَيْهِ .
2246فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : يُمْسَحُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا وَلَمْتَظْهَرْ مِنْهُ الْقَدَمُ ، فَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ الْقَدَمُ لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ .
2247وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْخَرْقُ لَا يَمْنَعُالِانْتِفَاعَ بِهِ ، وَمَنْ لَبِسَهُ يَكُونُ مِثْلَهُ يَمْشِي فِيهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ .
2248وَبِنَحْوِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُبْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ .
2249وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ إِجَازَةُ الْمَسْحِعَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ وَإِنْ تَفَاحَشَ خَرْقُهُ .
2250قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ :مَا دَامَ يُسَمَّى خُفًّا .
2251قَالَ : وَقَدْ كَانَ خِفَافُ الْمُهَاجِرِينَوَالْأَنْصَارِ لَا تَسْلَمُ مِنَ الْخَرْقِ .
2252وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ تَشْدِيدٌ : قَالَ فِي الْكِتَابِ الْمِصْرِيِّ : إِذَا كَانَالْخَرْقُ فِي مُقَدَّمِ الرِّجْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْسَحَ عَلَيْهِ إِذَا بَدَا مِنْهُ شَيْءٌ .
2253وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُمْسَحُ عَلَى الْخُفِّوَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَدَمِ .
2254وَهُوَ قَوْلُالطَّبَرِيِّ .
2255وَأَصْلُهُ جَوَازُ الْمَسْحِ إِذَا كَانَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ يُغَطِّيهِالْجَوْرَبُ ، وَإِنْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ لَمْ يُمْسَحْ .
2256وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي إِجَازَةِ الْمَسْحِعَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ .
2257وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ،وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .
2258وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِيحَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ .
2259وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ ، وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ :لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ .
2260وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَعَ خُفَّيْهِبَعْدَ أَنْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا .
2261فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا: إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ .
2262وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ مِثْلَ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا :إِنْ غَسَلَهُمَا مَكَانَهُ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَهُمَا اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ .
2263وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا خَلَعَ نَعْلَيْهِ أَعَادَ الْوُضُوءَمِنْ أَوَّلِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تَرَاخِي الْغَسْلِ وَغَيْرِهِ .
2264وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَدَاوُدُ : إِذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ صَلَّى كَمَاهُوَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَلَا اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ ، قِيَاسًا عَلَى مَسْحِ شَعْرِ الرَّأْسِ .
2265وَقَالَ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِالْأَقْوَالِ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ .
2266وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذِهِ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَايُعِيدُ الْوُضُوءَ ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ خَاصَّةً .
2267وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ :
2268إِحْدَاهَا : أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .
2269وَالثَّانِيَةُ : أَنْيُعِيدَ الْوُضُوءَ .
2270وَالثَّالِثَةُ : أَنْيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ .
2271فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَنْ قَالَبِقَوْلِهِ أَنَّ نَزْعَ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ .
وَقَدْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ تَجِبُ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَا . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَلَا يُزِيلُ اخْتِلَافَهُمْ طَهَارَتَهُ ، وَشَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ حَلْقِهِ . 2272 - وَمَنْ قَالَ : يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ حُجَّتُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمَسْحِ مَغِيبُ الْقَدَمَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ ، فَإِذَا ظَهَرَتَا عَادَ الْحُكْمُ إِلَى أَصْلِهِ ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ .
2273وَمَنْ قَالَ بِغَسْلِهِمَا مَكَانَهُ وَابْتَدَأَ الْوُضُوءَ رَاعَى تَبْعِيضَ الْوُضُوءِ ،وَهَذَا الْمَعْنَى رَاعَى مَنْ رَأَى اسْتِئْنَافَ الْوُضُوءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
2274وَفِي التَّمْهِيدِ مَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ ،وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَ مَوْضِعَ ذِكْرِهَا هَذَا الْكِتَابُ .
2275وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي تَأْخِيرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حِينَ بَالَ فِي السُّوقِ وَتَوَضَّأَ فَمَحْمُولٌعِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ نَسِيَ ، لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ تَبْعِيضَ وُضُوئِهِ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ .
2276 - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَوْضِعٌ لِلْقَوْلِ غَيْرَ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ ، وَالْبَابُ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ .