أثر عمر حين صلى بالناس ثم وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا
مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ، ثُمَّ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا ، فَقَالَ : إِنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتِ الْعُرُوقُ . فَاغْتَسَلَ ، وَغَسَلَ الِاحْتِلَامَ مِنْ ثَوْبِهِ ، وَعَادَ لِصَلَاتِهِ . 94 - وَفِي حَدِيثِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا ؛ فَقَالَ : لَقَدِ ابْتُلِيتُ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيتُ أَمْرَ النَّاسِ فَاغْتَسَلَ ، وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ مِنَ الِاحْتِلَامِ ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ .
2957 - وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ . وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عِلَّةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَ ذَلِكَ إِلَّا خُرُوجَهُ مَعَ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ مَخْرَجًا وَاحِدًا لَكَفَى . 2958 - وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْمَرْفُوعَةُ فِيهِ فَرَوَى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
فَقَالَتْ : إِنْ شِئْتَ فَاغْسِلْهُ ، وَإِنْ شِئْتَ فَاحْكُكْهُ . 2965 - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا صَلَّى فِيهِ لَمْ يُعِدْ . 2966 - وَقَالَ مَالِكٌ : غَسْلُ الِاحْتِلَامِ مِنَ الثَّوْبِ أَمْرٌ وَاجِبٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا .
2973 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : هُوَ نَجِسٌ ، وَيُعِيدُ مِنْهُ فِي الْوَقْتِ ، وَلَا يُعِيدُ بَعْدَهُ . وَيَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِهِ بِالتُّرَابِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ . 2974 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَنِيُّ طَاهِرٌ ، وَيَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِهِ إِذَا كَانَ يَابِسًا ، وَإِنْ لَمْ يَفْرُكْهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ .
2975 - وَأَمَّا النَّجَاسَاتُ فَلَا يُطَهِّرُهَا عِنْدَهُ إِلَّا الْغَسْلُ بِالْمَاءِ . كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ . 2976 - وَالْمَنِيُّ عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُدَ طَاهِرٌ ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ .
وَيَسْتَحِبُّونَ غَسْلَهُ رَطْبًا ، وَفَرْكَهُ يَابِسًا . 2977 - وَهُوَ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ .
كَانَ سَعْدٌ يَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ كَالنَّجَاسَةِ ، أَمِطْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ ، وَامْسَحْهُ بِخِرْقَةٍ . 2978 - وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ مُخْتَلِفُونَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يَرَى فَرْكَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى إِلَّا غَسْلَهُ ، وَيَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِمْ .
2979 - وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَغْسِلُ مَا أَرَى ، وَأَنْضَحُ مَا لَمْ أَرَ - فَالنَّضْحُ - لَا مَحَالَةَ - هَاهُنَا : الرَّشُّ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : أَغْسِلُ مَا رَأَيْتُ . فَجَعَلَ النَّضْحَ غَيْرَ الْغَسْلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي النَّضْحِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُعَبَّرُ فِي مَوَاضِعَ بِالنَّضْحِ عَنِ الْغَسْلِ ، عَلَى حَسَبِ مَا يَفْهَمُهُ السَّامِعُ . 2980 - وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّضْحَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا مَعْنَاهُ الرَّشُّ ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ طَهَارَةٌ مَا شَكَّ فِيهِ ، كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ .
نَدَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَبَاهُ بَعْضُهُمْ ، وَقَالَ : لَا يَزِيدُهُ النَّضْحُ إِلَّا شَرًّا . 2981 - وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : لَا يَزِيدُهُ النَّضْحُ إِلَّا قَذَرًا . وَالْأَصْلُ فِي الثَّوْبِ الطَّهَارَةُ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ ، وَجَسَدُ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَصِحَّ حُلُولُ النَّجَاسَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
2982 - فَمَنِ اسْتَيْقَنَ حُلُولَ الْمَنِيِّ فِي ثَوْبِهِ غَسَلَ مَوْضِعَهُ مِنْهُ ، إِذَا اعْتَقَدَ نَجَاسَتَهُ ، كَغَسْلِهِ سَائِرَ النَّجَاسَاتِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا . وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ غَسَلَهُ كُلَّهُ ، فَإِنْ شَكَّ هَلْ أَصَابَ ثَوْبَهُ شَيْءٌ مِنْهُ أَمْ لَا ، نَضَحَهُ بِالْمَاءِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا .
2986 - وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ : لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ . وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ طَاهِرٍ : أَنَّهُ عَلَى طَهَارَتِهِ حَتَّى يَصِحَّ حُلُولُ النَّجَاسَةِ فِيهِ . 2987 - وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : لَقَدِ ابْتُلِيتُ بِالِاحْتِلَامِ مُنْذُ وُلِّيتُ أَمْرَ النَّاسِ فَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - بِاشْتِغَالِهِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا عَنِ النِّسَاءِ .
2988 - وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ قَالَ لَهُ : دَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ ، فَقَالَ : لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَتْ سُنَّةً فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِمَكَانِهِ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِاشْتِهَارِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِي وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَمْتَثِلُونَ أَفْعَالَهُمْ فَخَشِيَ التَّضْيِيقَ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ . وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُؤْثِرُ التَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَالزُّهْدَ فِيهَا . 2989 - وَفِي إِعَادَةِ عُمَرَ صَلَاتَهُ وَحْدَهُ دُونَ الَّذِينَ صَلَّوْا خَلْفَهُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحِجَازِيُّونَ : أَنَّهُ لَا يُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْجُنُبِ وَغَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ ، إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا حَالَهُ .
2990 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَوْمِ يُصَلُّونَ خَلَفَ إِمَامٍ نَاسٍ لِجَنَابَتِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ . 2991 - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ .
2998 - ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : يُعِيدُ وَلَا يُعِيدُونَ . قَالَ : سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِذَا صَحَّ لَنَا عَنْ عُمَرَ شَيْءٌ اتَّبَعْنَاهُ وَلَمْ نُعِدْهُ ، نَعَمْ ، يُعِيدُ ، وَلَا يُعِيدُونَ . 2999 - وَذَكَرَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ .
3003 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ إِمَامِهِمْ . فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ صَلَاةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ . 3004 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ .
وَأَمَّا هُوَ فَغَيْرُ مُفْسِدٍ بِمَا لَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ إِلَيْهِمْ ، لَكِنَّ حَالَهُ فِي نَفْسِهِ تَخْتَلِفُ : فَيَأْثَمُ فِي عَمْدِهِ إِنْ تَمَادَى بِهِمْ ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ، وَسَهَا عَنْهُ . 3011 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا لَا يَدْرِي مَتَى كَانَ ؟ وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا رَآهُ فِي مَنَامِهِ : إِنَّهُ يَغْتَسِلُ ، وَيُعِيدُ مَا صَلَّى مِنْ أَحْدَثِ نَوْمٍ نَامَهُ ، وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَهُ - فَهَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ يَرُدُّ قَوْلَ : يَرَوْنَ عَلَى مَنْ شَكَّ فِي حَدَثِهِ بَعْدَ أَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ إِعَادَةَ الْوُضُوءِ قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا . 3012 - وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، فَلَمْ يَرَوُا الشَّكَّ عَمَلًا ، وَلَا دَفَعُوا بِهِ الْيَقِينَ فِي الْأَصْلِ .
3013 - وَكَانَ ابْنُ خُوَازَ مَنْدَاذُ يَقُولُ : قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ : إِنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ - اسْتِحْبَابٌ وَاسْتِحْسَانٌ . 3014 - وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ : الْوُضُوءُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَيَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ مَا صَلَّى مِنْ أَوَّلِ نَوْمٍ نَامَهُ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ ، لَا يَلْبِسُ مَعَهُ غَيْرَهُ .