مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، ثُمَّ الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ : إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ - فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ; فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ ، وَلَا إِنْسٌ ، وَلَا شَيْءٌ - إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 4053 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ الْأَذَانُ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُسَافِرِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ حَسَنٌ ، إِلَّا أَنَّ الْأَذَانَ عِنْدَهُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ ، وَحَيْثُ يَجْتَمِعُ النَّاسُ .
4054فَقَدْ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ الْأَذَانِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمُعْتَزِلِ آثَارٌ حِسَانٌ ،سَنَذْكُرُهَا بَعْدُ فِي أَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا .
4055وَفِيهِ إِبَاحَةُ لُزُومِ الْبَادِيَةِ ، وَاكْتِسَابِ الْغَنَمِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُحِبَّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ ; اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ ، وَفِرَارًا مِنْ شَرِّ النَّاسِ ، وَاعْتِزَالًا عَنْهُمْ ، وَلَكِنْ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِمَا فِيهِ مِنَ الْبُعْدِ عَنِ الْفَضَائِلِ ، إِلَّا أَنَّ الزَّمَانَ إِذَا كَثُرَ فِيهِ الشَّرُّ ، وَتَعَذَّرَتْ فِيهِ السَّلَامَةُ - طَابَتِ الْعُزْلَةُ ، وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ - إِذَا وُجِدَ - خَيْرٌ مِنَ الْعُزْلَةِ وَالْوَحْدَةِ .
4056وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُمَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ .
4057وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ ، وَلَا إِنْسٌ ، وَلَاشَيْءٌ - إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - فَالْمَدَى الْغَايَةُ ; حَيْثُ يَنْتَهِي الصَّوْتُ .
4058فَأَمَّا فَهْمُ الْجَمَادِ وَالْمَوَاتِ فَلَا يُدْرِكُ كَيْفِيَّتَهُ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ ، وَفِي قَوْلِهِ ، تَعَالَى : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ أَيْ سَبِّحِيمَعَهُ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَقَوْلِهِ : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى .
4059وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِيمَا مَضَى وَجْهَ قَوْلِ مَنْ قَالَ :إِنَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 4060 - وَسَنَذْكُرُ فِي الْعُزْلَةِ وَفَضْلِهَا مَا حَضَرَنَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا . 4061 - وَنَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .