وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ، أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَأُصَلِّي فِي عَطَنِ الْإِبِلِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَا ، وَلَكِنْ صَلِّ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ . 9127 - هَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ .
9128وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : عَنْ هِشَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَالْمُهَاجِرِينَ لَا يَذْكُرُونَ فِيهِ : عَنْ أَبِيهِ .
9129وَزَعَمَ مُسْلِمٌ أَنَّ مَالِكًا وَهِمَ فِيهِ ، وَأَنَّ وَكِيعًا وَمَنْتَابَعَهُ أَصَابُوا ، وَهُوَ عِنْدِي ظَنٌّ وَتَوَهُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
9130وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَالِكًا أَحْفَظُ مِمَّنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ وَأَعْلَمُ بِهِشَامٍ ، وَلَوْ صَحَّ مَا نَقَلَهُغَيْرُ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ مَا كَانَ عِنْدِي إِلَّا وَهْمًا مِنْ هِشَامٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
9131وَمَالِكٌ فِينَقْلِهِ حُجَّةٌ .
9132وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ .
9133وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ : يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
9134وَرَوَاهُ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِبْنَ عُمَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ، قَالَ : فَنَهَاهُ وَقَالَ : صَلِّ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ .
9135وَالصَّوَابُ فِي إِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - مَاقَالَهُ مَالِكٌ عَنْهُ ، وَأَمَّا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فَلَيْسَ بِالْحَافِظِ .
9136وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَجَابِرِ ابْنِ سَمُرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ .
وَكُلُّهَا بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ ، وَأَكْثَرُهَا تَوَاتَرٌ ، وَأَحْسَنُهَا حَدِيثُ الْبَرَاءِ . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا . 9137 - وَأَمَّا عَطَنُ الْإِبِلِ فَهُوَ مَوْضِعُ بَرُوكِهَا عِنْدَ سَقْيِهَا ; لِأَنَّهَا فِي سَقْيِهَا لَهَا شَرْبَتَانِ تَرِدُ الْمَاءَ فِيهَا مَرَّتَيْنِ ، فَمَوْضِعُ بَرُوكِهَا بَيْنَ الشَّرْبَتَيْنِ هُوَ عَطَنُهَا لَا مَوْضِعُ بَيْتِهَا ، وَمَوْضِعُ بَيْتِهَا هُوَ مُرَاحُهَا ، كَمَا لِمُرَاحِ الْغَنَمِ مَوْضِعُ مَقِيلِهَا وَمَوْضِعُ مَبِيتِهَا .
9138وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لَحْمُهُ لَيْسَبِنَجِسٍ ; لِأَنَّ مُرَاحَ الْغَنَمِ لَا تَسْلَمُ مِنْ بَعْرِهَا ، وَحُكْمُ الْإِبِلِ حُكْمُهَا .
9139وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَرَدَ لَهُ هَذَاالْحَدِيثُ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ عَطَنِ الْإِبِلِ وَمُرَاحِ الْغَنَمِ .
9140فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ : كَانَ هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَتِرُبِهَا عِنْدَ الْخَلَاءِ ، وَهَذَا خَوْفُ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِهَا لَا مِنْهَا .
9141وَقَالَ آخَرُونَ : النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي عَطَنِهَا وَلَهَا إِلَىالْمَاءِ نُزُوعٌ ، فَرُبَّمَا قَطَعَتْ صَلَاةَ الْمُصَلِّي ، أَوْ هَجَمَتْ عَلَيْهِ فَآذَتْهُ وَقَطَعَتْ صَلَاتَهُ .
9142وَاعْتَلُّوا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُصَلُّوافِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ; فَإِنَّهَا جِنٌّ خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ .
9143وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَوْ مِنْ عَنَانِ الشَّيَاطِينِ .
9144وَهَذِهِ أَلْفَاظٌ مَوْجُودَةٌ مَحْفُوظَةٌ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍفِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ .
9145وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَتَكْرَهُ أَنْ تُصَلِّيَ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ؟قَالَ : نَعَمْ ; مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبُولُ الرَّجُلُ إِلَى الْبَعِيرِ الْبَارِكِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ عَطَنُهَا مِثْلَ مُرَاحِهَا .
9146قُلْتُ : أَتُصَلِّي فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ :فَإِذَا لَمْ أَخْشَ مِنْ عَطَنِهَا إِذًا ؟ قَالَ : فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُرَاحِهَا .
9147 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ وَلَا عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا الصَّلَاةَ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِبِلَ مِثْلُهَا فِي إِبَاحَةِ أَكْلِ لُحُومِهَا . 9148 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ صَلَّى فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْمَوْضِعُ طَاهِرٌ سَالِمٌ مِنَ النَّجَاسَةِ .
9149وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ ; لِأَنَّهَا طَابَقَتِ النَّهْيَ ، فَهِيَ فَاسِدَةٌ ; لِقَوْلِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ أَيْ مَرْدُودٌ .
9150وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : بِئْسَ مَا صَنَعَ إِذَا عَلِمَ بِالنَّهْيِ ، وَصَلَاتُهُ مَاضِيَةٌ إِذَاسَلِمَ مِنْ مَا يُفْسِدُهَا مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُمْ مَعْنَاهُ عَنْهُمْ .
9151وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَاالْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ .
9152وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَجَازَ الصَّلَاةَ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ إِلَّا مَا ذَكَرَ وَكِيعٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِجُنْدُبِ بْنِ عَامِرٍ السُّلَمِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَمَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَهَذَا لَمْ يَسْمَعْ بِالنَّهْيِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
9153وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَأُصَلِّي فِي مُرَاحِ الشَّاءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ،قُلْتُ : أَوَ تَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ بَوْلِ الْكَلْبِ بَيْنَ أَظْهُرِهَا ؟ قَالَ : إِنْ خَشِيتَ بَوْلَ الْكَلْبِ بَيْنَ أَظْهُرِهَا فَلَا تُصَلِّ فِيهَا .
9154وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَأُصَلِّي فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: إِنْ صَلَّيْتُ فِي مُرَاحِ الْغَنَمِ أَوِ الْبَقَرِ أَسْجُدُ عَلَى الْبَقَرِ أَوْ أَفْحَصُ لِوَجْهِي ؟ قَالَ : بَلِ افْحَصْ لِوَجْهِكَ .