حديث أبي هريرة الصيام جنة
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ ، وَلَا يَجْهَلْ ، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ . 14718 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الصِّيَامُ فِي الشَّرِيعَةِ : الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ . هَذَا فَرْضُهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ .
وَسُنَنُهُ اجْتِنَابُ قَوْلِ الزُّورِ وَاللَّغْوِ وَالرَّفَثِ . 14719 - وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ : الْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا ، وَكُلُّ مَنْ أَمْسَكَ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ صَائِمٌ مِنْهُ ، أَلَا تَرَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا 14720 - وَقَوْلُهُ : جُنَّةٌ فَهِيَ الْوِقَايَةُ وَالسِّتْرُ عَنِ النَّارِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا لِلصَّائِمِ . 14721 - وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ : يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ .
14722 - وَقَوْلُهُ : فَلَا يَرْفُثُ فَالرَّفَثُ هُنَا الْكَلَامُ الْقَبِيحُ ، وَالشَّتْمُ ، وَالْخَنَا ، وَالْغَيْبَةُ ، وَالْجَفَاءُ ، وَأَنْ تُغْضِبَ صَاحِبَكَ بِمَا يَسُوءُهُ ، وَالْمِرَاءُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كُلِّهِ . 14723 - وَمَعْنَى لَا يَجْهَلْ قَرِيبٌ مِمَّا يُصِيبُنَا مِنَ الشَّتْمِ وَالسِّبَابِ وَالْقِبَاحِ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا 14724 - وَ اللَّغْوُ هُوَ الْبَاطِلُ . قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا 14725 - قَالَ الْعَجَّاجُ : عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ 14726 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّاجًا ، فَأَحْرَمَ وَأَحْرَمْنَا ، ثُمَّ نَزَلَ يَرْتَجِزُ يَسُوقُ الْإِبِلَ وَيَقُولُ : وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ تَنِكْ لَمِيسًا فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبَّاسٍ : أَلَسْتَ مُحْرِمًا ؟ قَالَ : بَلَى ، فَقُلْتُ : هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمُ بِهِ ؟ قَالَ : لَا يَكُونُ الرَّفَثُ إِلَّا مَا وَاجَهْتَ بِهِ النِّسَاءَ ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ .
14727 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ - عِزَّ وَجَلَّ - : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ . 14728 - فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرَّفَثَ هَاهُنَا جِمَاعُ النِّسَاءِ . 14729 - وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ أَنَّهُ الْجِمَاعُ .
14730 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ : 14731 - ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يَقُولَ الَّذِي يُرِيدُ مُشَاتَمَتَهُ وَمُقَاتَلَتَهُ : إِنِّي صَائِمٌ وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ مُجَاوَبَتِكَ ؛ لِأَنِّي أَصُونُ صَوْمِي عَنِ الْخَنَا وَالزُّورِ ، وَالْمَعْنَى فِي الْمُقَاتَلَةِ : مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ . 14732 - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورَ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . 14733 - وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ الصَّائِمَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ : إِنِّي صَائِمٌ يَا نَفْسِي ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكِ بِالْمُشَاتَمَةِ ، وَلَا يُعْلِنُ بِقَوْلِهِ : إِنِّي صَائِمٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ .
14734 - وَمَعْنَى قَوْلِهِ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةً أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ . فَمَعْنَاهُ الْكَرَاهَةُ وَالتَّحْذِيرُ كَمَا جَاءَ : مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ أَيْ يَذْبَحْهَا . وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْأَمْرِ بِتَشْقِيصِ الْخَنَازِيرِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى تَعْظِيمِ إِثْمِ شَارِبِ الْخَمْرِ .
14735 - وَكَذَلِكَ مَنِ اغْتَابَ ، أَوْ شَهِدَ زُورًا أَوْ مُنْكَرًا لَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ ، وَلَكِنَّهُ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ لِيَتِمَّ لَهُ أَجْرُ صَوْمِهِ .