سيدنا عثمان وهو محرم في يوم صائف أتى بلحم صيد فأكل منه وقال إنما صيد من أجلي
مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ . قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ . ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا .
فَقَالُوا : أَوَ لَا تَأْكُلُ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ . إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي . 757 - وَعَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ; أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ : يَا ابْنَ أُخْتِي .
إِنَّمَا هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ ، فَإِنْ تَخَلَّجَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ ; تَعْنِي أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ . 16510 - قَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ يُصَادُ مِنْ أَجْلِهِ صَيْدٌ فَيُصْنَعُ لَهُ ذَلِكَ الصَّيْدُ ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ . فَإِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَ ذَلِكَ الصَّيْدِ كُلِّهِ .
16511 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ الْمُؤْمِنِ نَفْسَهُ . 16512 - وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ عَلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ إِحْرَامَ الْمُحْرِمِ فِي رَأْسِهِ دُونَ وَجْهِهِ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ قَوْمٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
16513 - وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ قَدِ اقْتَدَى بِفِعْلِهِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنَ الرَّأْسِ فَلَا يُخَمِّرُهُ الْمُحْرِمُ . 16514 - وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ مَذْهَبِهِ : أَنَّ إِحْرَامَ الْمُحْرِمِ فِي رَأْسِهِ دُونَ وَجْهِهِ . 16515 - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَلْبَسِ وَغَيْرِهِ ، فإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ إِذَا أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ ، وَهَذَا ثَابِتُ الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
16516 - وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَاسُهُ الْأُرْجُوَانَ ; لِأَنَّهُ صُوفٌ ، وَالْأُرْجُوَانُ الشَّدِيدُ الْحُمْرَةِ . 16517 - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَا يُقَالُ لِغَيْرِ الْحُمْرَةِ أُرْجُوَانٌ . 16518 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا نَلْبَسُ الْأُرْجُوَانَ .
16519 - وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَاهُ عَنْ لُبْسِهِ . 16520 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَذَكَرْنَا مَا يُعَارِضُهَا وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَاهَا هُنَاكَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 16521 - وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَصْحَابِهِ فِي لَحْمِ الصَّيْدِ : كُلُوا ؛ فَإِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ ; إِنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِي ، فَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى .
16522 - وَقَالَ أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ . ، فَأَمَّا مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِ مُحْرِمٍ أَوْ مُحْرِمِينَ ، وَذُبِحَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَا بَأْسَ به ، إِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ رَجُلٍ صَادَ هَاهُنَا صَيْدًا فَذَبَحَهُ وَحَمَلَ لَحْمَهُ مَعَهُ ، ثُمَّ أَحْرَمَ . 16523 - وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ لِعُرْوَةَ : إِنَّمَا هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ تَعْنِي أَيَّامَ الْحَجِّ ، فَإِنَّهَا خَاطَبَتْ بِهَذَا مَنْ كَانَ إِحْرَامُهُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ أَنْ يَكُفَّ عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ جُمْلَةً ، فَمَا صَادَهُ الْحَلَالُ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِ ، لِيَدَعَ مَا يُرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يُرِيبُهُ ، وَيَتْرُكُ مَا شَكَّ فِيهِ وَحَاكَ فِي صَدْرِهِ .
16524 - وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : مَا عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ جَزَاؤُهُ كُلُّهُ . فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي ذَلِكَ مَذَاهِبُ مِنْهَا مَا قَالَهُ مَالِكٌ : أَنَّهُ يُجْزِئُ الصَّيْدُ كُلُّهُ إِذَا أَكَلَ مِنْهُ . وَمِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْهُ إِلَّا مِقْدَارُ مَا أَكَلَ .
وَقَوْلٌ ثِالِثٌ : أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ صَيْدًا حَلَالٌ أَكْلُهُ لِصَائِدِهِ . وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمُحْرِمِ قَتْلَ الصَّيْدِ لَا أَكْلَهُ . 16525 - هَذَا عَلَى مَذْهَبِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَكَعْبٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمْ .
16526 - وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ ، فَمَرَّةً قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ مِنْ أَجْلِهِ أَنَّهُ يَفْدِي مَا أَكَلَ مِنْهُ . 16527 - وَمَرَّةً قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ . 16528 - وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُحْرِمِ يَأْكَلُ مِنْ صَيْدٍ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ مِمَّا قَدْ ذَبَحَهُ حَلَالٌ أَوْ صَادَهُ : أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيمَا أَكَلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَ الْجَزَاءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ .
وَهَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ ، وَلَيْسَ مَنْ أَكَلَ مُحْرِمًا يَكُونُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ . 16529 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أكل مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ إِنْ أَكَلَ مِنْهُ .