سيدنا عثمان وهو محرم في يوم صائف أتى بلحم صيد فأكل منه وقال إنما صيد من أجلي
وَفِي هَذَا الْبَابِ : وَسُئِلَ مَالِكٌ : عَنِ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ . أَيَصِيدُ الصَّيْدَ فَيَأْكُلُهُ ؟ أَمْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ؟ فَقَالَ : بَلْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُرَخِّصْ لِلْمُحْرِمِ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ ، وَلَا فِي أَخْذِهِ ، فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَقَدْ أَرْخَصَ فِي الْمَيْتَةِ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ .
16531 - قَالَ مَالِكٌ : وَأَمَّا مَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَ مِنَ الصَّيْدِ ، فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِحَلَالٍ وَلَا لِمُحْرِمِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَكِيٍّ . كَانَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا . فَأَكْلُهُ لَا يَحِلُّ .
وَقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ . 16532 - زَادَ أَشْهَبُ : فَمَنْ كُنْتُ أَقْتَدِي بِهِ وَنَتَعَلَّمُ مِنْهُ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ : لَا يُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَكِيٍّ . 16533 - فَقِيلَ لَهُ : أَرَأَيْتَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ عَلَيْهِمْ جَزَاؤُهُ ؟ فَقَالَ : أَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُونَ فَفِيهِ نَظَرٌ .
16534 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إِذَا رَمَى الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ . وَسَمَّى فَقَتَلَهُ ; فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ حَلَالٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْمُحْرِمُ الَّذِي قَتَلَهُ بَعْدَ مَا جَزَاهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . 16535 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ .
16536 - وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَالْآخَرُ يَأْكُلُهُ وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ . 16537 - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، وَحَلَالٌ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ ، إِلَّا أَنِّي أَكْرَهُهُ لِلَّذِي صَادَهُ لِلْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ . 16538 - وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ فِي مَذْهَبِهِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِجْمَاعُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَبْحِ الشَّاةِ مِنْ مَذْبَحِهَا فَذَبَحَهَا فَقَطَعَ عُنُقَهَا أَوْ قَتَلَهَا : أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ; لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ ذَلِكَ ، بِخِلَافٍ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ .
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا فَعَلَ ; لِأَنَّهُ أَبَاحَ غَيْرَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ . فَلَا تَقَعُ ذَكَاةٌ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ فِعْلَهُ . 16539 - وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِ ، وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهُ إِجْمَاعُ الْجُمْهُورِ عَلَى وُقُوعِ الذَّكَاةِ بِالسِّكِّينِ الْمَعْضُوبَةِ أَوْ ذَبْحِ السَّارِقِ .
16540 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الْمُثَنَّى ، عَنْ عَطَاءٍ فِي الْمُحْرِمِ الْمُضْطَرِّ ، قَالَ : يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَدَعُ الصَّيْدَ . 16541 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَسُئِلَ الثَّوْرِيُّ - وَأَنَا أَسْمَعُ - عَنِ الْمُحْرِمِ يُضْطَرُّ فَيَجِدُ الْمَيْتَةَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ، وَلَحْمَ الصَّيْدِ ؟ قَالَ : يَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَالْمَيْتَةَ . 16542 - وَذَكَرَ فِي بَابٍ آخَرَ : سَأَلْتُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُحْرِمٍ ذَبَحَ صَيْدًا هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ لِغَيْرِهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَحَدٍ .
16543 - قَالَ الثَّوْرِيُّ : وَأَخْبَرَنِي أَشْعَثُ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ . 16544 - قَالَ الثَّوْرِيُّ : وَقَوْلُ الْحَكَمِ أَحَبُّ إِلَيَّ . 16545 - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَحَدٍ بِحَالٍ .
16546 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَزُفَرُ : إِذَا اضْطَرَ الْمُحْرِمُ أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَلَمْ يُضْطَرَّ . 16547 - وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ . 16548 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَصِيدُ وَيَأْكُلُ ، وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ .
16549 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الْمُحْرِمُ مَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي إِيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ إِنْ أَكَلَ مِنْهُ .