حديث ابن عباس في سؤال النبي عن الحج عن الغير
( 30 ) بَابُ الْحَجِّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ 769 - مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; قَالَ : كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ . فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ . فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ .
فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ . إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا . لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ .
أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 16763 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ سَمِعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . 16764 - حَدَّثَنِي سَعْيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ .
16765 - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ . قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ النَّحْرِ ، وَالْفَضْلُ رَدِيفُهُ ، فَقَالَتْ : إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ هَلْ تَرَى أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 16766 - قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، قَالَ : كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ حَدَّثَنَاهُ : أَوَّلًا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فِيهِ : فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أوَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاه غَيْرُهُ عَنْهُ .
قَالَ فَلَمَّا جَاءَنَا الزُّهْرِيُّ تَفَقَّدْتُ هَذَا ; فَلَمْ يَقُلْهُ . 16767 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي رَوَاهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ مَحْفُوظَةٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ . وَلَيْسَ مَا سَمِعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِدُونِ مَا سَمِعَهُ هُوَ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَعَمْرٌو أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ .
16768 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ رُكُوبُ شَخْصَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ ، هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيه ، جَوَازِهِ إِذَا أَطَاقَتِ الدَّابَّةُ ذَلِكَ . 16769 - وَفِيهِ إِبَاحَةُ الِارْتِدَافِ ، وَذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ ، وَأَفْعَالُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا سُنَنٌ مَرْغُوبٌ فِيهَا يَحْسُنُ التَّأَسِّي بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَجَمِيلٌ الِارْتِدَافُ بِالْجَلِيلِ مِنَ الرِّجَالِ . 16770 - وَفِيهِ بَيَانُ مَا رُكِّبَ فِي الْآدَمِيِّينَ مِنْ شَهَوَاتِ النِّسَاءِ فِي الرِّجَالِ ، وَالرِّجَالِ فِي النِّسَاءِ وَمَا يُخَافُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِنَّ ، وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ مِنْ أَجْمَلِ الشُّبَّانِ فِي زَمَانِهِ .
16771 - وَفِيهِ : أَنَّ عَلَى الْعَالِمِ وَالْإِمَامِ أَنْ يُغَيِّرَ مِنَ الْمُنْكِرِ كُلَّ مَا يُمْكِنُهُ بِحَسَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِذَا رَآهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنْهُ . 16772 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِنَّ وَلَا مِنْهُنَّ الْفِتْنَةُ ، وَمِنَ الْخُرُوجِ وَالْمَشْيِ مِنْهُنَّ فِي الْحَوَاضِرِ وَالْأَسْوَاقِ ، وَحَيْثُ يَنْظُرْنَ إِلَى الرِّجَالِ وَيُنْظَرُ إِلَيْهِنَّ . 16773 - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ .
16774 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى . 16775 - وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمَرْأَةِ الْخَثْعَمِيَّةِ : حُجِّي عَنْ أَبِيكِ وَلَمْ يَقُلْ : إِنْ كَانَ مَعَكِ ذُو مَحْرَمٍ . 16776 - وَهَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ مِنَ الدَّلِيلِ ، لِأَنَّ الْعِلْمَ مَا نُطِقَ بِهِ لَا مَا سُكِتَ عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ .
16777 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي لَهُ سُنَّ وَذَلِكَ حَجُّ الْمَرْءِ عَنْ مَنْ لَا يُطِيقُ الْحَجَّ مِنَ الْأَحْيَاءِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِهِ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِ . بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَلَمْ يَكُنْ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لَمَّا لَمْ يَسْتَطِعْ إِلَيْهِ سَبِيلًا ; فَخُصَّ بِأَنْ يُقْضَى عَنْهُ وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ ، وَخُصَّتِ ابْنَتُهُ أَيْضًا أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا وَهُوَ حَيٌّ . 16778 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ .
قَالُوا : خُصَّ أَبُو الْخَثْعَمِيَّةِ وَالْخَثْعَمِيَّةُ بِذَلِكَ ، كَمَا خُصَّ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بِرَضَاعِهِ فِي حَالِ الْكِبَرِ . 16779 - وَهَذَا مِمَّا يَقُولُ بِهِ الْمُخَالِفُ فَيَلْزَمُهُ . 16780 - وَرُوِيَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالضَّحَّاكِ .
16781 - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : وَالِاسْتِطَاعَةُ : الْقُوَّةُ . 16782 - وَقَالَ عِكْرِمَةُ : الِاسْتِطَاعَةُ : الصِّحَّةُ . 16783 - وَقَالَ أَشْهَبُ : قِيلَ لِمَالِكٍ : الِاسْتِطَاعَةُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ؟ قَالَ : لَا وَاللَّهِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ النَّاسِ فَرُبَّ رَجُلٍ يَجِدُ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَسِيرِ ، وَآخَرُ يَقْوَى يَمْشِي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا 16784 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ فِي الْبَدَنِ وَالْقُدْرَةِ ، وَتَكُونُ أَيْضًا بِالْمَالِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِبَدَنِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ .
16785 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 16786 - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، كُلُّهُمْ وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُمْ يَقُولُونَ : السَّبِيلُ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ . 16787 - وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى الْبَدَنِ وَالْمَالِ .
16788 - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : ( السَّبِيلُ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا مُرْسَلَةٌ ، وَمِنْهَا ضَعِيفَةٌ . 16789 - وَالِاسْتِطَاعَةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ تَكُونُ بَالْمَالِ ، وَتَكُونُ بِالْبَدَنِ . 16790 - وَتَقُولُ الْعَرَبُ : أَنَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَبْنِيَ دَارِي .
يَعْنِي بِمَالِهِ . 16791 - وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا يُشْبِهُهُ ذَلِكَ ، وَالِاحْتِجَاجُ لِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ يَطُولُ ، وَلَيْسَ هُنَا مِمَّا قُصِدَ بِهِ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا أُصُولَ ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ . 16792 - وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَعْضُوبِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِكِبَرٍ أَوْ لِضَعْفٍ ، أَوْ لِزَمَانَةٍ .
16793 - فَقَالَ مَالِكٌ : لَا حَجَّ عَلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ ، وَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِمَا يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ مِنْ مَالِهِ . 16794 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : هُوَ مُسْتَطِيعٌ إِذَا وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ . 16795 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ ، وَالْآخَرُ مِنْ مَالِهِ مَا يُبَلِّغُهُ الْحَجِّ : زَادٌ وَرَاحِلَةٌ .
قَالَ : وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَعْضُوبًا بِبَدَنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَرْكَبٍ بِحَالٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْ يُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَه أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِطَاعَتِهِ لَهُ ، أَوْ بِاسْتِحْبَابِهِ لَهُ ، فَيَكُونُ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ . 16796 - وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : حُجِّي عَنْ أَبِيكِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ عَنْهُ . 16797 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ يَزِيدَ الْأَصَمِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَحُجُّ عَنْ أَبِي ؟ قَالَ : نَعَمْ .
إِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا . 16798 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَخَطَّؤوهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ حَدِيثٌ لَمْ يُرْوهِ أَحَدٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ غَيْرُهُ ، فَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ كِتَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَقَالُوا : هَذَا حَديِثٌ مُنْكَرٌ لَا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا لَا يَدْرِي أَيَنْفَعُ أَمْ لَا . 16799 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ سَعِيدٍ .
قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِشْوَرِيُّ ، قَالَ : لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، لَمْ يَرْوِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ : كُوفِيٌّ ، وَلَا بَصْرِيٌّ ، وَلَا حِجَازِيٌّ ، وَلَا أَحَدٌ غَيْرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . 16800 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِالثَّوْرِيِّ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، مِثْلُ : الْقَطَّانِ ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ ، وَوَكِيعٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالْفِرْيَابِيِّ ، وَالْأَشْجَعِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ - عُلِمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ قَدْ وَهِمَ فِيهِ لَفْظًا وَأُشْبِهَ عَلَيْهِ . 16801 - وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ ؟ قَالَ : حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ .
16802 - وَقَدْ رَوَى هُشَيْمٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، فَمَاتَتْ ; أَفَأَحُجُّ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ . اللَّهُ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ . 16803 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ .
16804 - وَفِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَهَا فِي التَّمْهِيدِ . 16805 - وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنْ لَا تُقْضَى الصَّلَاةُ عَنْ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ إِيجَابِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِمَالِهِ وَضَعُفَ عَنْ إِقَامَتِهِ بِبَدَنِهِ جَوَازٌ حج الرَّجُلِ عَنْ غَيْرِهِ .
16806 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ . 16807 - فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ : لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، إِلَّا عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ . 16807 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ .
16808 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلصَّحِيحِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ ، وَإِنْ تَطَوَّعَ رَجُلٌ بِالْحَجِّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَجْزَاهُ . 16809 - وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ . 16810 - وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .
16811 - قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ : إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيُوصِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُوصِ فَحَجَّ عَنْهُ وَلَدُهُ فَحَسَنٌ ; فَإِنَّمَا هُوَ دَيْنٌ يَقْضِيهِ . 16812 - قَالَ : وَقَدْ كَانَ يُسْتَحَبُّ لِذِي الْقَرَابَةِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ قَرَابَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا قَرَابَةَ لَهُ فَمَوَالِيهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَوَالِي ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ ، فَإِنْ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا تَطَوُّعًا فَلَا بَأْسَ . 16813 - قَالَ سُفْيَانُ : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَلْيُحَجَّ عَنْهُ ، وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ .
16814 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، والْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُحَجُّ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ وَيَجْزِيهِ . 16815 - قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . 16816 - وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ ، وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا ، ثُمَّ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ .
16817 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، والْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ . 16818 - وَقَالَ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ . 16819 - وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ عَنِ الرَّجُلِ ، وَلَا يَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَرْأَةِ ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ وَالرَّجُلَ لَا يَلْبَسُ .
16820 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحُجُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَّا مَنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ حَجَّ عَنِ الْمَيِّتِ صَرُورَةً كَانَتْ نِيَّتُهُ لِلنَّفْلِ لَغْوًا . 16821 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : جَائِزٌ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ وَلَسْتُ أَكْرَهُهُ . 16822 - وَقَالَ مَالِكٌ : وَأَكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي الْحَجِّ فَإِنْ فَعَلَ جَازَ .
16823 - وَهَكَذَا كَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ . 16824 - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ ( عَزَّ وجل ) وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَهُ غَيْرُ الْمُتَقَرِّبِ بِهِ . 16825 - وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ الذِّمِّيُّ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْ مُسْلِمٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِلْمُسْلِمِ .
16826 - وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى كَتْبِ الْمُصْحَفِ ، وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، وَحَفْرِ الْقَبْرِ وَصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَكَذَلِكَ عَمَلُ الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ . 16827 - وَالصَّدَقَاتُ قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَقَدْ أَبَاحَ لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا الْأَجْرَ عَلَى عِمَالَتِهِ . 16828 - وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَدَاءِ الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ إِجْمَاعُهُمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الذِّمِّيِّ فِي التَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ ، وَهُمْ يُحَرِّمُونَهُ لِلْمُسْلِمِ فِي التَّطَوُّعِ فَكَذَلِكَ الْفَرْضُ .
16829 - وَفِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ - حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا - رَدٌّ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ فِي قَوْلِهِ : أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَحُجَّ عَنِ الرَّجُلِ . وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ . 16830 - وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ أَبَى مِنْ جَوَازِ حَجِّ الرَّجُلِ وَهُوَ صَرُورَةٌ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مَا حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالَقَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عُزرةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ .
قَالَ : ( مَنْ شُبْرُمَةُ ؟ ) قَالَ : أَخٌ لِي - أَوْ قَرِيبٌ لِي - فَقَالَ : حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَحُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ . 16831 - وَمَنْ أَبَى الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ .
الْحَدِيثَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 16832 - وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَا يَذْكُرُ عَزْرَةَ . 16833 - وَالَّذِي يَقْبَلُهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ الَّذِي رفَعَهُ حَافِظٌ قَدْ حَفِظَ مَا فَسَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ ، فَوَجَبَ قَبُولُ زِيَادَتِهِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ ، هُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .