بَابُ مَا يُرَدُّ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْقَسْمُ مِمَّا أَصَابَ الْعَدُوَّ
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي : الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فِي الْمُفَازَاةِ ، أَوْ فِي التِّجَارَةِ ، فَيَشْتَرِي الْحُرَّ أَوِ الْعَبْدَ ، أَوْ يُوهَبَانِ لَهُ . فَقَالَ : أَمَّا الْحُرُّ ، فَإِنَّ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ دَيْنٌ عَلَيْهِ وَلَا يُسْتَرَقُّ ، وَإِنْ كَانَ وُهِبَ لَهُ فَهُوَ حُرٌّ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أُعْطَى فِيهِ شَيْئًا مُكَافَأَةً فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى الْحُرِّ بِمَنْزِلَةِ مَا اشْتُرِيَ بِهِ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ الْأَوَّلَ مُخَيَّرٌ فِيهِ ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ ، وَيَدْفَعَ إِلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ ثَمَنَهُ ، فَذَلِكَ لَهُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُسْلِمَهُ أَسْلَمَهُ ، وَإِنْ كَانَ وُهِبَ لَهُ فَسَيِّدُهُ الْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أعطى فِيهِ شَيْئًا مُكَافَأَةً ، فَيَكُونُ مَا أعطى فِيهِ غُرْمًا عَلَى سَيِّدِهِ أَحَبَّ أَنْ يَفْتَدِيَهُ . 19711 - وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ .
19712 - وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . 19713 - وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : إِنْ كَانَ مُوسِرًا دَفَعَ إِلَى الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَفِي بَيْتِ الْمَالِ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ .
19714 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ اشْتَرَى الْحُرَّ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَجَوَابُهُ فِيهِ مَا ذَكَرَ فِي الْمُوَطَّأِ . 19715 - وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ . إِلَّا أَنَّهُ إِذَا لَزِمَ بِأَمْرِهِ ، لَزِمَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ مَالًا يَتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ ، فَيَعُودُ إِلَى التَّخْيِيرِ .
19716 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ : لَيْسَ عَلَى الْأَسِيرِ الْحُرِّ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ . 19717 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْحُجَّةُ لِمَالِكٍ أَنَّ فِدَاءَ الْأَسِيرِ لِنَفْسِهِ ، مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَمَقَامُهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْفِدَاءِ لَا يَجُوزُ لَهُ فَالَّذِي اشْتَرَاهُ إِنَّمَا فَعَلَ مَا يَلْزَمُهُ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ . 19718 - وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ : إِنَّ الضَّمَانَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْوُجُوبِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ فَدَاءِ الْأَسِيرِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ بِالْفِدَاءِ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ دُونَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا لَمْ يَأْمُرْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إِلَّا بِأَمْرِهِ .
19719 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي فِدَاءِ نَفْسِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ . 19720 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَوْ أُسِرَ ذِمِّيٌّ فَفَدَاهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، اسْتَسْعَاهُ فِيهِ . 19721 - وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ شَيْءٌ مِمَّا اشْتَرَاهُ ، أَوْ فَدَاهُ بِهِ التَّاجِرُ بِغَيْرِ أَمْرِ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِفِعْلِهِ ، وَيَأْخُذُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ كَمَا يَأْخُذُهُ قَبْلَ الْقَسْمِ .
19722 - وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إِذَا اشْتَرَى فَأَخَذَهُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لِمَوْلَاهُ أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ ، فَإِنْ وَهَبَهُ الْمُشْتَرِي لِرَجُلٍ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ مَوْلَاهُ ، ثُمَّ جَاءَ الْمَوْلَى لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُ الْهِبَةِ ، لَكِنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ وَهَبَهُ . 19723 - وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي بَطُلَ عِتْقُهُ ، وَأَخَذَهُ مَوْلَاهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ . 19724 - قَالَ أَشْهَبُ : فَهِبَةُ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ أَنْ تَبْطُلَ ، وَيَأْخُذَهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ بِهِ .
19725 - وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ . 19726 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى سَبِيلٌ ، وَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ ، إِنْ بَاعَهُ وَلَا الْهِبَةُ ، وَإِنَّمَا لَهُ الثَّمَنُ . 19727 - وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِنْ بَاعَهُ أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ الْأَوَّلُ مِنَ الْعَدُوِّ ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ رَجَعَ بِمَا بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ عَلَى الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ .
19728 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنِ اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَسِيرِ . 19729 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، اشْتَرَاهُ بِأَمْرِهِ ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .