في الْبَازِيِ وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ إِذَا كَانَ يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ
قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ الضَّارِيَ ، فَصَادَ أَوْ قَتَلَ ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا ، فَأَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَالٌ . لَا بَأْسَ بِهِ . وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ الْمُسْلِمُ .
وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ ، مَثَلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَفْرَةِ الْمَجُوسِيِّ ، أَوْ يَرْمِي بِقَوْسِهِ أَوْ بِنَبْلِهِ ، فَيَقْتُلُ بِهَا . فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ . لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ، وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِيَ عَلَى صَيْدٍ ، فَأَخَذَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ ، إِلَّا أَنْ يُذَكَّى .
وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ ، مَثَلُ قَوْسِ الْمُسْلِمِ وَنَبْلِهِ ، يَأْخُذُهَا الْمَجُوسِيُّ فَيَرْمِي بِهَا الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ . وَبِمَنْزِلَةِ شَفْرَةِ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِها الْمَجُوسِيُّ ، فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . 21982 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْخِلَافُ فِي ذَبَائِحَ الْمَجُوسِيِّ لَيْسَ بِخِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَلَّا تُؤْكَلَ ذَبَائِحُهُمْ ، وَلَا صَيْدُهُمْ ، وَلَا تُنْكَحَ نِسَاؤُهُمْ ، مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كُلُّهُ يَقُولُ : لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَلَا صَيْدُهُمْ .
21983 - عَلَى هَذَا مَضَى جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ . 21984 - رَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الْمُسْلِمِ يَسْتَعِيرُ كَلْبَ الْمَجُوسِيَّ ، فَيُرْسِلُهُ عَلَى الصَّيْدِ ، قَالَ : كُلْهُ ، فَإِنَّ كَلْبَهُ مِثْلَ شَفْرَتِهِ . 21985 - قَالَ قَتَادَةُ : وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ .
21986 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : عَلَى جَوَازِ صَيْدِ الْمُسْلِمِ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ ، وَسِلَاحِهِ جَمَاعَةُ السَّلَفِ ، وَتَابَعَهُمُ الْجَمِيعُ مِنَ الْخَلَفِ . 21987 - وَشَذَّ عَنْهُمْ مَنْ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِمْ ، فَلَمْ يُعَدَّ قَوْلُهُ خِلَافًا ، وَهُوَ أَبُو ثَوْرٍ . 21988 - قَالَ فِي الْمُسْلِمِ يَأْمُرُ الْمَجُوسِيَّ بِذَبْحِ أُضْحِيَتِهِ : إِنَّهَا تُجْزِئُهُ ، وَقَدْ أَسَاءَ .
21989 - وَقَالَ فِي الْكِتَابِيِّ يَتَمَجَّسُ : إِنَّهُ جَائِزٌ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ . 21990 - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ قَوْلَانِ : 21991 - أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَجُوزُ كَصَيْدِ الْكِتَابِيِّ وَذَبِيحَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . 21992 - وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ صَيْدِهِ ، كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ .
21993 - وَأَمَّا صَيْدُ الْمُسْلِمِ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ قَدِيمٌ ، كَرِهَتْهُ طَائِفَةٌ ، وَلَمْ تُجِزْهُ ، وَأَجَازَهُ آخَرُونَ . 21994 - فَمَنْ كَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . 21995 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ .
21996 - وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ 21997 - فَخَاطَبَ الْمُؤْمِنَ بِهَذَا الْخِطَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعَلِّمُ لِلْكَلْبِ مُؤْمِنًا لَمْ يَجُزْ صَيْدُهُ . 21998 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْيَشْكُرِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : نُهِينَا عَنْ صَيْدِ كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ . 21999 - وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ ، فَقَالُوا : تَعْلِيمُ الْمَجُوسِيِّ لَهُ وَتَعْلِيمُ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ ، وَإِنَّمَا الْكَلْبُ كَآلَةِ الذَّبْحِ وَالذَّكَاةِ .
22000 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَالْحَكَمُ ، وَعَطَاءٌ . 22001 - وَهُوَ الْأَصَحُّ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 22002 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِمْ .
22003 - وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَكْرَهُ الصَّيْدَ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ ، وَالنَّصْرَانِيِّ . 22004 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَمَّا كَلْبُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، فَهُوَ أَهْوَنُ . 22005 - وَقَالَ إِسْحَاقُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَصِيدَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْيَهُودِيِّ ، وَالنَّصْرَانِيِّ .
22006 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمَّا أَجْمَعَ الْجُمْهُورُ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلُ الْكِتَابِ ، وَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ ، أَنَّ ذَبْحَ الْمَجُوسِيِّ بِشَفْرَةِ الْمُسْلِمِ ، وَمُدْيَتِهِ ، وَاصْطِيَادَهُ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ ، عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَاعَاةَ ، وَالِاعْتِبَارَ إِنَّمَا هُوَ دِينُ الصَّائِدِ الذَّابِحِ لَا آلَتُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . 22007 - وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَبَائِحَ الصَّابِئِينَ ، وَالسَّامِرَةِ ، وَصَيْدِهِمْ : 22008 - فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الصَّابِئِينَ ، وَالْمَجُوسِ ، وَالسَّامِرَةِ ، فَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ . 22009 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الصَّابِئِينَ ، وَلَا الْمَجُوسِ .
22010 - قَالَ : وَأَمَّا السَّامِرَةُ ، فَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ ، فَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، إِلَّا أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَصْلِ مَا يُحَرِّمُونَ مِنَ الْكِتَابِ ، وَيُحِلُّونَ ، فَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ كَالْمَجُوسِ . 22011 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَدِينُونَ بِدِينِ الْيَهُودِ ، وَالنَّصَارَى أُنْكِحَ نِسَاؤُهُمْ ، وَأُكِلَتْ ذَبَائِحُهُمْ . 22012 - قَالَ : وَأَمَّا الْمَجُوسُ ، فَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَا تُؤْكَلُ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا تُنْكَحُ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ .
22013 - وَعَلَى هَذَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ نَجْرَانَ . 22014 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّابِئِينَ : هُمْ قَوْمٌ بَيْنَ الْمَجُوسِ ، وَالْيَهُودِ ، لَا تَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ . 22015 - وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الصَّابِئُونَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ .
22016 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ غُطَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : كَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ إِلَى عُمَرَ أَنَّ نَاسًا يُدْعَوْنَ السَّامِرَةَ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ ، وَيُسْبِتُونَ السَّبْتَ ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَرَى فِي ذَبَائِحِهِمْ ؟ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، ذَبَائِحُهُمْ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ . 22017 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَا يَجِيءُ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 22018 - وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ فِي السَّامِرَةِ جَوَابٌ حَسَنٌ ، وَلَا أَحْفَظُ فِيهِمْ عَنْ مَالِكٍ قَوْلًا .
22019 - وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الصَّابِئِينَ غَيْرُ الْيَهُودِ ، وَغَيْرُ النَّصَارَى ، وَغَيْرُ الْمَجُوسِ . 22020 - قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا 22021 - فَفَصَلَ بَيْنَهُمْ ، وَقَالَ : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ 22022 - وَإِنَّمَا أُنْزَلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا ، وَقَالَ : وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ 22023 - وَقَوْلُهُ : يَعْنِي ذَبَائِحَهُمْ بِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، وَصَيْدُهُمْ فِي مَعْنَى ذَبَائِحِهِمْ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .