المرابحة عند الإمام مالك
قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً قَامَتْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِتِسْعِينَ دِينَارًا ، وَقَدْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ ، خُيِّرَ الْبَائِعُ ، فَإِنْ أَحَبَّ فَلَهُ قِيمَةُ سِلْعَتِهِ يَوْمَ قُبِضَتْ مِنْهُ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ بِهِ الْبَيْعُ أَوَّلَ يَوْمٍ . فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ مِائَةُ دِينَارٍ وَعَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَإِنْ أَحَبَّ ضُرِبَ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى التِّسْعِينَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ مِنَ الثَّمَنِ أَقَلَّ مِنَ الْقِيمَةِ . فَيُخَيَّرُ فِي الَّذِي بَلَغَتْ سِلْعَتُهُ .
وَفِي رَأْسِ مَالِهِ وَرِبْحِهِ ، وَذَلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِينَارًا . 29840 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً مُرَابَحَةً . فَقَالَ : قَامَتْ عَلَيَّ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا قَامَتْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا ، خُيِّرَ الْمُبْتَاعُ ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الْبَائِعَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَى الثَّمَنَ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى حِسَابِ مَا رَبَّحَهُ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنَقِّصَ رَبَّ السِّلْعَةِ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ رِضَى بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا جَاءَ رَبُّ السِّلْعَةِ يَطْلُبُ الْفَضْلَ ، فَلَيْسَ لِلْمُبْتَاعِ فِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْبَائِعِ ، بِأَنْ يَضَعَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَ بِهِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ .
29841 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِنَّمَا قَالَ عَلَى الْبَرْنَامَجِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ عِنْدَهُ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَالْمَعْهُودُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ دَهْ دُوَازْدَهْ لِلْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ . 29842 - وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، فَقَالَ : إِذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ كَذَبَ فِي الشِّرَاءِ ، وَزَادَ ، وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ عِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : تُحَطُّ عَنِ الْمُشْتَرِي الزِّيَادَةُ الَّتِي كَذَبَ فِيهَا الْبَائِعُ ، وَمَا أَصَابَهَا مِنَ الرِّبْحِ . 29843 - وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ .
29844 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِذَا اشْتَرَى إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِهِ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى لَهُ ، أَوْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ . 29845 - وَرَوَى الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَانَةِ ، وَالْكَذِبِ فِي الْمُرَابَحَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى بِهِ الْبَائِعُ ، أَوْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ . 29846 - قَالَ : وَلَا تُرَدُّ عَنْهُ الْخِيَانَةُ ، فَيَرْجِعُ إِلَى ثَمَنٍ مَجْهُولٍ ، لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِهِ .
29847 - وَالْقَوْلَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَحْمُولَانِ . 29848 - وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ أَنَّ الْبَائِعَ لَوِ ادَّعَى الْغَلَطَ ، وَذَكَرَ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ فَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي مِنْهَا ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا ، وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَيُخَيِّرُ الْمُبْتَاعُ عَلَى حِسَبِ مَا ذَكَرَ . 29849 - وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ : إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ بَيْعًا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي : اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَتَيْنِ ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِرِبْحِ خَمْسِينَ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ دَفَعَ لِلْمُشْتَرِي الزِّيَادَةَ ، وَمَا أَصَابَهَا مِنَ الرِّبْحِ .
قَالَ : وَإِنِ ابْتَاعَهُ بِذَهَبٍ أَوْ : دَهْ دُوَازْدَهْ . 29850 - وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَالَ : فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَتَيْنِ ثُمَّ بَاعَهُ مُسَاوَمَةً بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ فَأَكْثَرَ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَلَهُ مَا بَاعَهُ بِهِ . 29851 - وَذَكَرَ الْجَوْزَجَانِيُّ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، قَالَ : إِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ رَدِّ الْمَتَاعِ ، وَأَخْذِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا .
29852 - وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدِ اسْتَهْلَكَ الْمَتَاعَ ، أَوْ بَعْضَهُ ، فَالثَّمَنُ لَازِمٌ لَهُ ، لَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . 29853 - وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِخِيَانَتِهِ فِي الزِّيَادَةِ ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ لَمْ يَرْجِعِ الْمُشْتَرِي فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَنِ . 29854 - وَذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ .
29855 - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحَطُّ فِي التَّوْلِيَةِ ، وَلَا يُحَطُّ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَلَهُ الْخِيَارُ . 29856 - قَالَ : وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يُحَطُّ فِيهِمَا ، وَلَهُ الْخِيَارُ . 29857 - وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ .
29858 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ : يُحَطُّ مِنْهُمَا . 29859 - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . 29860 - وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فِي الْمُرَابَحَةِ : لَهُ الْخِيَارُ .
29861 - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ : وَلَا يُحَطُّ عَنْهُ شَيْءٌ . 29862 - قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا دَخَلَهَا عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، أَوْ حَالَتِ الْأَسْوَاقُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، فَلَا يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ . 29863 - قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ فَاتَتِ السِّلْعَةُ ، وَكَانَتْ قِيمَتُهَا نِصْفَ مَا وَزَنَ مِثْلَ مَا وَزَنَ الْمُبْتَاعُ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَلَا شَيْءَ ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ تَمَامُ الْقِيمَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِمَّا وَزَنَ ، فَلَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَخَذَ الْجَمِيعَ ، أَوْ رَدَّ .
29864 - قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُحَطُّ فِي الْمُرَابَحَةِ . 29865 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : يَعْنِي مِثْلَ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ . 29866 - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .
29867 - قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إِذَا خَانَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي ؛ حُطَّ عَنْهُ مِنَ الثَّمَنِ الزِّيَادَةُ ، وَرِبْحُ الزِّيَادَةِ . 29868 - وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إِذَا قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْخِيَانَةِ بَيْنَ أَنْ يَنْتَقِصَ الْبَيْعَ ، وَيَرُدَّ السِّلْعَةَ ، وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ بِمَا ابْتَاعَهَا بِهِ إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا خَانَهُ فِيهِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَرَبِحَهُ . 29869 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَنْ لَمْ يَرَ أَنْ يُحَطَّ عَنِ الْمُشْتَرِي مَا كَذَبَ فِيهِ الْبَائِعُ وَخَيَّرَهُ قَاسَهُ عَلَى الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ نَقْضٌ دَخَلَ عَلَى الْمُبْتَاعِ ، وَهُوَ فِيهِ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ ، وَمَنْ رَأَى أَنْ يُحَطَّ عَنْهُ ، فَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِنَّمَا رِبْحُهُ عَلَى مَا ابْتَاعَ بِهِ السِّلْعَةَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَمَّا خَانَهُ وَجَبَ أَنْ يَرُدَّ مَا خَانَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ خَانَهُ فِي الْوَزْنِ أَوِ الْكَيْلِ وَجَبَ رَدٌّ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ .