بَابُ مَا لَا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ
وَقَالَ مَالِكٌ : فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَرْضًا فَتَمْكُثُ فِي يَدَيْهِ حِينًا ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيُدْرِكُ فِيهَا حَقًّا بِمِيرَاثٍ : إِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ إِنْ ثَبَتَ حَقُّهُ ، وَإِنَّ مَا أَغَلَّتِ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، إِلَى يَوْمِ يَثْبُتُ حَقُّ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَمِنَهَا لَوْ هَلَكَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ ، أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ . 31483 - قَالَ : فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ ، أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ ، أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ أوَ الْمُشْتَرِي ، أَوْ هُمَا حَيَّانِ ، فَنُسِيَ أَصْلُ الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ لِطُولِ الزَّمَانِ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَنْقَطِعُ ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فِي حَدَاثَةِ الْعَهْدِ وَقُرْبِهِ ، وَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْبَائِعَ غَيَّبَ الثَّمَنَ وَأَخْفَاهُ لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ حَقَّ صَاحِبِ الشُّفْعَةِ ، قُوِّمَتِ الْأَرْضُ عَلَى قَدْرِ مَا يُرَى أَنَّهُ ثَمَنُهَا ، فَيَصِيرُ ثَمَنُهَا إِلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى مَا زَادَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ أَوْ عِمَارَةٍ فَيَكُونُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَنِ ابْتَاعَ الْأَرْضَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ بَنَى فِيهَا وَغَرَسَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا صَاحِبُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ . 31484 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحِقِّ بِمِيرَاثٍ نَصِيبًا فِي أَرْضٍ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَدِيمٌ .
31485 - فَمَنْ أَوْجَبَ الشُّفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ حَقًّا لَهُ مَا أَظْهَرَهُ شُهُودُهُ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ شَرِيكٍ ظَاهِرِ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ . 31486 - وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ بَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ فِي أَرْضٍ مُشَاعَةٍ بَيْنَهُمَا ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ . 31487 - وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ ; لِأَنَّهُ بِتَقَدُّمِ مِلْكِهِ اسْتَحَقَّ مَا اسْتَحَقَّ .
31488 - وَمَنْ قَالَ : لَا شُفْعَةَ لَهُ زَعَمَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ يَوْمَ اسْتَحَقَّ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ . 31489 - أَلَّا تَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِنَ الْمُشْتَرِي ، وَلَا مِنَ الْبَائِعِ الْجَاحِدِ لَهُ . 31490 - وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ حُرِّيَّةً عَلَى مَوْلَاهُ وَالْمَوْلَى جَاحِدٌ لَهَا ، فَلَمَّا قَامَتْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ بِالْحُرِيَّةِ قُضِيَ لَهُ بِهَا ، وَلَمْ يَلْزَمِ الْمَوْلَى خَرَاجُهُ ، وَقِيمَةُ خِدْمَتِهِ ; لِأَنَّهُ جَاحِدٌ لِمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ شَهَادَتُهُمْ حُكْمًا ظَاهِرًا مِنْ يَوْمِ شَهِدُوا ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ .
31491 - وَالْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُوجِبُونَ لِلْمُسْتَحِقِّ الْخَرَاجَ ، أَوِ الْغَلَّةَ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . 31492 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ ، أَوْ هَلَكَ الشُّهُودُ ، أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ ، أَوِ الْمُشْتَرِي إِلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلِ ، فَإِنَّ طُولَ الزَّمَانِ لِمَنْ كَانَ غَائِبًا ، وَقَامَتْ بَيِّنَتُهُ بِمَا يُوجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ . 31493 - وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي شُفْعَةِ الْغَائِبِ ، وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَلَا خِلَافٍ .
31494 - وَأَمَّا هَلَاكُ الشُّهُودِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونُوا شُهُودًا عَلَى الْبَيْعِ ، فَهَلَكُوا ، أَوِ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ يَتَجَاحَدَانِ ، وَلَا بَيِّنَةَ هُنَاكَ ، فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ عَلَى مَبْلَغِ الثَّمَنِ هَلَكُوا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ خَالَفَهُ الشَّفِيعُ . 31495 - وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا بِخِلَافِهَا . 31496 - وَكَذَلِكَ مَوْتُ الْبَائِعِ ، وَالْمُشْتَرِي لِمَنْ كَانَ لَهُ الْقِيَامُ بِالشُّفْعَةِ لَا يَضُرُّ .