في وصية سعد بن أبي وقاص بشطر ماله
ج٢٣ / ص٢٨( 3 ) بَابُ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ لَا تَتَعَدَّى 1466 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ; أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَا» فَقُلْتُ : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : «لَا» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ ج٢٣ / ص٢٩النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، إِلَّا أُجِرْتَ ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ» قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا ، إِلَّا ازْدَدتَّ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» . 33328 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، إِلَّا ابْنَ ج٢٣ / ص٣٠عُيَيْنَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ ، فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ . 33329 - وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِهِ .
33330 - وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ . 33331 - وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا لِلْمَرِيضِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِهِ مِنَ الْعَطَايَا الْمُقْبِلَةِ غَيْرِ الْوَصِيَّةِ : 33332 - فَقَالَ الْجُمْهُورُ : إِنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ فِيمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَيُعْتِقُ ، وَيَهَبُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ مِنْهُ كُلَّهَا فِي ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا . 33333 - وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ صِحَّتِهِ لَمْ يَقُلْ فِيهِ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ : أَفَأُوصِي ؟ وَإِنَّمَا قَالَ : أَفَأَتَصَدَّقُ ؟ وَلَمْ يُجِزْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقَةِ إِلَّا الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا .
33334 - وَابْنُ شِهَابٍ حَافِظٌ غَيْرُ مُدَافَعٍ فِي حِفْظِهِ . 33335 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33336 - وَقَدْ قَالَ فِيهِ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ : أَفَأُوصِي .
ج٢٣ / ص٣١33337 - وَكَذَلِكَ قَالَ : مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَفَأُوصِي ، وَسَاقُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ سَوَاءً . 33338 - وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَدْ قَالَ بِأَنَّ هِبَةَ الْمَرِيضِ إِذَا قُبِضَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ . 33339 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَدَاوُدُ .
33340 - وَأَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ ، فَقَالُوا : هِبَةُ الْمَرِيضِ ، قُبِضَتْ ، أَوْ لَمْ تُقْبَضْ إِذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الثُّلُثِ كَالْوَصَايَا . 33341 - وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ ، مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا . 33342 - وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً; فَأَمْضَى لَهُ مِنْ مَالِهِ ثُلُثَهُ ، وَرَدَّ سَائِرَ مَالِهِ مِيرَاثًا .
33343 - وَهَذَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ . 33344 - وَأَجْمَعُ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا مَاتَ عَنْ بَنِينَ ، أَوْ عَنْ كَلَالَةٍ تَرِثُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ . 33345 - وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَتْرُكْ بَنِينَ ، وَلَا عَصَبَةً .
ج٢٣ / ص٣٢33346 - فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . 33347 - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مِثْلُهُ . 33348 - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدَةَ ، وَمَسْرُوقٍ .
33349 - وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ . 33350 - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . 33351 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعُبَيْدَةَ ، وَمَسْرُوقٍ فِي «التَّمْهِيدِ» .
33352 - وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَشَرِيكٌ الْقَاضِي : إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ . 33353 - وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَنِ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَدَعَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ ، وَمَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ ، وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ . 33354 - وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، كَانَ لَهُ ج٢٣ / ص٣٣بَنُونَ أَوْ وُرِثَ كَلَالَةً ، أَوْ وَرِثَهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ .
33355 - وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ . 33356 - وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . 33357 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا يُصْرَفُ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا اسْتَحَقَّهُ الرَّجُلُ وَابْنُهُ ، وَلَا مَنْ يُحْجَبُ مَعَ مَنْ يَحْجُبُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ مَصْرُوفٌ إِلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَرَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَالِحِهِمْ .
33358 - وَأَجْمَعَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ . 33359 - وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بِالْعِرَاقِ ، وَالْحِجَازِ ، وَالْمَغْرِبِ ، وَالشَّامِ . 33360 - وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسَانَ ، فَلَمْ يُجِيزُوا الْوَصِيَّةَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، وَقَالُوا : لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لِلْمُوصِي ذَلِكَ ، وَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوا الْمُوصَى لَهُ مِنْ فَرَائِضِهِمْ ، وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ مَا شَاءُوا .
33361 - وَكَرِهَ الْجَمَاعَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْوَصِيَّةَ فِي الثُّلُثِ لِمَنْ يَرِثُهُ ذُرِّيَّتُهُ ، وَاسْتَحَبَّتْ مِنْهُمُ جَمَاعَةُ الْوَصِيَّةَ بِالْخُمُسِ . ج٢٣ / ص٣٤33362 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : رَضِيتُ فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ . يَعْنِي مِنَ الْغَنِيمَةِ .
33363 - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَنَ ، وَأَبَا قِلَابَةَ يَقُولَانِ : أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . 33364 - وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 33365 - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : السُّنَّةُ فِي الْوَصِيَّةِ الرُّبُعُ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَعْرِفُ فِي مَالِهِ شُبُهَاتٍ ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِهِ لَا يَتَجَاوَزُهُ .
33366 - وَاسْتَحَبَّتْ طَائِفَةٌ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ ; لِمَا
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَكُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ . ج٢٣ / ص٣٥33367 - رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ فِيهَا لِينٌ ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي «التَّمْهِيدِ» . 33368 - مِنْهَا مَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 33369 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ غَيْرُ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو هَذَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ.
ج٢٣ / ص٣٦33370 -
وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ غَضَّ النَّاسُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فِي الْوَصِيَّةِ ، لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ; لَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ .ج٢٣ / ص٣٧33371 - قَالَ سُفْيَانُ : وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : أَرْضَى فِي وَصِيَّتِي بِمَا رَضِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْخُمُسِ . 33372 - قَالَ سُفْيَانُ : يَعْنِي خُمُسَ الْفَيْءِ; لِقَوْلِهِ : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الآية .
33373 - وَقَالَ قَتَادَةُ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ وَالْقُضَاةُ يُجِيزُونَهُ ، وَالرُّبُعُ قَصْدٌ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ . 33374 - وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : الثُّلُثُ جَهْدٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ . 33375 - وَقَالَ قَتَادَةُ : أَوْصَى عُمَرُ بِالرُّبُعِ ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخُمُسِ ، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ .
33376 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : كَانَ الْخُمُسُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الرُّبُعِ ، وَالرُّبُعُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثُّلُثِ . ج٢٣ / ص٣٨33377 - وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فِي «التَّمْهِيدِ» . 33378 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عِيَادَةُ الْعَالِمِ وَالْخَلِيفَةِ ، وَسَائِرِ الْجِلَّةِ لِلْمَرِيضِ .
33379 - وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ لَا يَزْكُو مِنْهَا إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا . 33380 - وَفِيهِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْبَنِينِ وَالزَّوْجَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ الزَّاكِيَاتِ الصَّالِحَاتِ ، وَأَنَّ تَرْكَ الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ إِذَا كَانَ فَضْلًا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِهِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ . 33381 - وَأَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ : «أَأُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي» ، فَمَعْنَاهُ عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَأُخَلَّفُ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِي الْمُهَاجِرِينَ الْمُتَصَدِّقِينَ مَعَكَ إِلَى الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ .
قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا وَإِشْفَاقًا مِنْ بَقَائِهِ فِي مَوْضِعٍ قَدْ هَجَرَهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . 33382 - وَأَمَّا جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَلَى كَلَامِهِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ ج٢٣ / ص٣٩مَخْرَجَ الْإِقْرَارِ; لِأَنَّ الْغَيْبَ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ ، وَلَكِنَّ مَنْ خُلِّفَ ، وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَقَعَتْ بِهِ دَرَجَتُهُ . 33383 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، فَهَذَا مِنْ ظُنُونِهِ الصَّادِقَةِ الَّتِي كَانَ كَثِيرًا مِنْهَا يَقِينًا ، فَقَدْ خُلِّفَ سَعْدٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ ، وَهَلَكَ بِهِ آخَرُونَ .
33384 - رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِسَعْدٍ : وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ؟» فَقَالَ : أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ ، فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى رِدَّةٍ ، فَأَضَرَّ بِهِمْ ، وَاسْتَتَابَ قَوْمًا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ ، فَتَابُوا ، فَانْتَفَعُوا . 33385 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّرَهُ عُمَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْكُوفَةِ عَلَى حَرْبِ الْقَادِسِيَّةِ ، وَعَمَّرَ سَعْدٌ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسً وَأَرْبَعِونَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ . 33386 - وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، فَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ لَهُمْ فِي أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ هِجْرَتَهُمْ سَالِمَةً مِنْ آفَاتِ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الْمُتَقَرَّبِ بِهِجْرَتِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى هِجْرَتِهِمْ تِلْكَ ، وَكَانُوا ج٢٣ / ص٤٠يَسْتَعِيذُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعُودُوا كَالْأَعْرَابِ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ; لِأَنَّ الْأَعْرَابَ لَمْ يُتَعَبَّدُوا بِالْهِجْرَةِ الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُهَاجِرِ الرُّجُوعُ إِلَى وَطَنِهِ .
33387 - وَلَمْ تَكُنِ الْهِجْرَةُ مُقْتَصَرَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطَنِ ، وَتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ ، إِلَّا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَاتَّبَعُوهُ لِيَتِمَّ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْغَايَةُ مِنَ الْفَضْلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُمْ ، فَعَلَيْهِمْ خَاصَّةٌ افْتُرِضَتِ الْهِجْرَةُ الْمُفْتَرَضُ فِيهَا الْبَقَاءُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ اسْتَقَرَّ ، وَالتَّحَوُّلُ مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّلَ لِنُصْرَتِهِ ، وَمُؤَازَرَتِهِ ، وَصُحْبَتِهِ ، وَالْحِفْظِ لِمَا يَشْرَعُهُ ، وَالتَّبْلِيغِ عَنْهُ . 33388 - وَلَمْ يُرَخَّصْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ ، وَتَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كَذَلِكَ; لِأَنَّ هِجْرَةَ دَارِ الْكُفْرِ حَيْثُ كَانَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ آمَنُ أَنْ يَهْجُرَ دَارَ الْكُفْرِ; لِئَلَّا تَجْرِيَ عَلَيْهِ فِيهَا أَحْكَامُ الشَّيْطَانِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ حَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هِجْرَتِهِ هَذِهِ حَالَةَ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إِذَا عَادَتْ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ إِيمَانٍ وَإِسْلَامٍ . ج٢٣ / ص٤١33389 - وَلَيْسَ أَهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ; لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ بَاقِيَةً إِلَى الْمَمَاتِ ، وَهُمُ الَّذِينَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ ، وَمُدِحُوا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ .
33390 - أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرْخَصُ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ تَمَامِ نُسُكِهِ وَحَجِّهِ . 33391 - رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . 33392 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَعْنَاقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَيْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ ، قَالَ : خَلَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَعْدٍ رَجُلًا ، وَقَالَ لَهُ : ( إِنْ مَاتَ بِمَكَّةَ فَلَا تَدْفِنْهُ بِهَا ) .
قَالَ سُفْيَانُ : لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا . 33393 - وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ) . 33394 - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ ج٢٣ / ص٤٢رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ : «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا» ; لِأَنَّهُ كَانَ مُهَاجِرًا .
33395 - وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ : سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ عَنِ الْمُقَامِ وَالْجِوَارِ بِمَكَّةَ ; فَقَالَ : أَمَّا الْمُهَاجِرُ فَلَا يُقِيمُ بِهَا ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ الْمُقَامُ بِمَكَّةَ خَشْيَةَ أَنْ يَكْثُرَ النَّاسُ بِهَا ، فَتَغْلُوا أَسْعَارُ أَهْلِهَا . 33396 - وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَخَافُ ، أَوْ قَالَ : إِنِّي أَرْهَبُ أَنْ أَمُوتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا ، فَادْعُ اللَّهَ لِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ...» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . 33397 - وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا هِجْرَةَ تُبْتَدَأُ بَعْدَ الْفَتْحِ مُفْتَرَضَةٌ لَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِمْ .
33398 -
ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صِحَاحٍ كُلِّهَا ، وَفِي بَعْضِهَا : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ ، فَانْفِرُوا ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ» .33399 - وَقَالَ لِبَعْضِهِمْ إِذْ سَأَلَهُ عَنِ الْهِجْرَةِ : «أَقِمِ الصَّلَاةَ ، وَآتِ الزَّكَاةَ ، وَمَا ج٢٣ / ص٤٣افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، وَاجْتَنِبْ مَا نَهَاكَ عَنْهُ ، وَاسْكُنْ مِنْ أَرْضِ قَوْمِكَ حَيْثُ شِئْتَ» . 333400 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الْمُفْتَرَضَةُ الْبَاقِيَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ; إِلَّا أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ بِهِجْرَتِهِمْ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَدِينَةِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ أَبَدًا .
33401 - أَلَا تَرَى أَنَّ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ كَانُوا إِذَا حَجُّوا لَا يَطُوفُونَ طَوَافَ الْوَدَاعِ إِلَّا وَرَوَاحِلُهُمْ قَدْ رُحِّلَتْ . 33402 - وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ صلى الله عليه وسلم حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِ ، فَافْتَرَقُوا فِي الْبُلْدَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - . 33403 - وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ .
33404 - وَفِيهِ : لَكِنَّ سَعْدَ بْنَ خَوْلَةَ الْبَائِسَ قَدْ مَاتَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي قَدْ هَاجَرَ مِنْهَا . ج٢٣ / ص٤٤33405 -
قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا قَالَهُ شُيُوخُنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ : « يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ » مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ صَحِيحٌ. 33406 - وَمَعْلُومٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ : «الْبَائِسَ» إِنَّمَا كَانَ رُثِيَ بِذَلِكَ لِمَوْتِهِ بِمَكَّةَ ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ ، وَاخْتَارَ التَّوَدُّدَ بِهَا حَتَّى أَدْرَكَتْهُ فِيهَا مَنِيَّتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
33407 - وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 33408 - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْوَرْدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، قَالَ : تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . 33409 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ بَدْرِيٌّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِمَا يَنْبَغِي مِنْ ج٢٣ / ص٤٥ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .