في رجل من جهينة كان يسبق الحاج فيشتري الرواحل فيغلي بها
مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِلَافٍ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ; أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَسْبِقُ الْحَاجَّ ، فَيَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ فَيُغْلِي بِهَا ، ثُمَّ يُسْرِعُ السَّيْرَ فَيَسْبِقُ الْحَاجَّ ، فَأَفْلَسَ ، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ ، فَإِنَّ الْأُسَيْفِعَ ; أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ ، رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ : سَبَقَ الْحَاجَّ ، أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا ، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ . فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ ، نُقَسِّمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ ، وَإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنِ ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ هُمٌّ وَآخِرَهُ حَرَبٌ . 33629 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَيُرْوَى : قَدْ دَانَ ، وَقَدْ أَدَانَ ، وَيُرْوَى بِلَا قَدْ .
وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَرْوُونَهُ : قَدْ دَانَ مُعْرِضًا ، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ . 33630 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، فَأَفْلَسَ ; فَإِنَّهُ أَرَادَ صَارَ مُفْلِسًا ، وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ مَالَهُ ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ ، ثُمَّ دَعَا غُرَمَاءَهُ لِيُقَسِّمُوهَا عَلَيْهِمْ . 33631 - وَهَذَا شَأْنُ مَنْ أَحَاطَ دَيْنُ غُرَمَائِهِ بِمَالِهِ ، وَقَامُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ يَطْلُبُونَهُ ، وَأَثْبَتُوا دُيُونَهُمْ عَلَيْهِ بِمَا لَا مَدْفَعَ فِيهِ .
33632 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوهٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . 33633 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ فِي الدَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَعْدَ إِقْرَارِهِ ; لِأَنَّ حَبْسَهُ لَهُ تَفْلِيسٌ . 33634 - وَإِنَّمَا قِيلَ : مَنْ شَاءَ مِنْ غُرَمَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَاكِمِ فِيهِ مَا وَصَفْنَا التَّفْلِيسَ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ إِقْرَارُهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ .
33635 - قَالَ : وَإِذَا قَامَ غُرَمَاؤُهُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْلِيسِ فَهُوَ حَجْرٌ أَيْضًا . 33636 - وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إِذَا حَبَسَهُ الْقَاضِي فِي الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ حَتَّى يُفَلِّسَهُ ، فَيَقُولُ : لَا أُجِيرُ لَهُ أَمْرًا . 33637 - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ صَدَقَتُهُ .
33638 - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ . 33639 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُمَا هَذَا قَدْ قَالَ بِنَحْوِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ هِبَةٌ ، وَلَا صَدَقَةٌ ، وَلَا عِتْقٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقِفِ السُّلْطَانُ مَالَهُ ، وَلَمْ يَضْرِبْ عَلَى يَدِهِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ مِنْ أَجْلِ قِيَامِ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ . 33640 - وَأَمَّا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ فَفِعْلُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ جَائِزٌ فِي هِبَتِهِ ، وَصَدَقَتِهِ ، وَقَضَاءِ مَنْ شَاءَ مِنْ غُرَمَائِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحَاكِمِ فِيهِ مَا وَصَفْنَا .
33641 - وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ كُلُّهُمْ ، حَاشَا ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّفِيهَ الَّذِي لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَبٌ ، وَلَا وَصِيٌّ ، وَلَا قَاضٍ أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا نَافِذَةٌ حَتَّى يَضْرِبَ الْحَاكِمُ عَلَى يَدَيْهِ . 33642 - وَذَكَرَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : إِذَا رُفِعَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّفْلِيسَ إِلَى الْقَاضِي أَشْهَدَ الْقَاضِي أَنَّهُ قَدْ أَوْقَفَ مَالَهُ ، فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، وَلَا هِبَتُهُ ، وَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ فَعَلَ جَازَ . ( وَالْأُخْرَى ) : أَنَّهُ بَاطِلٌ .
33643 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : إِذَا أَفْلَسَهُ الْحَاكِمُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، وَلَا هِبَتُهُ ، وَلَا صَدَقَتُهُ ، وَيَبِيعُ الْقَاضِي مَالَهُ ، وَيَقْضِيهِ الْغُرَمَاءَ . 33644 - وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي «نَوَادِرِ ابْنِ سَمَاعَةَ » : قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ : إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ ، وَلَا عِتْقُهُ ، وَلَا شَيْءٌ يَتْلَفُ بِهِ مَالُهُ حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ . 33645 - قَالَ مُحَمَّدٌ : وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ : إِذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ فَحُبِسَ لَهُ ، فَحَبْسُهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ الْأَوَّلَ .
33646 - وَقَالَ شَرِيكٌ مِثْلَ قَوْلِهِ . 33647 - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَجُوزُ إِقْرَارُهُ ، وَبَيْعُهُ ، وَجَمِيعُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ حَتَّى يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، وَيَبْطُلُ إِقْرَارُهُ بَعْدَ حَبْسِهِ بِالدَّيْنِ . 33648 - وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْحَجْرَ بِالدَّيْنِ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ ، وَلَا لِسَفَهٍ ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُهُ .
33649 - وَقَالَ فِي الْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ : لَا يُبَاعُ عَلَى الْمَدِينِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يَبِيعَ هُوَ إِلَّا الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ . 33650 - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ : يُبَاعُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، وَيُقْضِي غُرَمَاؤُهُ ، فَإِنْ قَامَ مَالُهُ بِدُيُونِهِمْ ، وَإِلَّا قُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى الْحِصَصِ بِقَدْرِ دَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . 33651 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ «الْأُسَيْفِعُ» فَهُوَ تَصْغِيرُ أَسْفَعَ ، وَالْأَسْفَعُ الْأَسْمَرُ الشَّدِيدُ السُّمْرَةِ ، وَقِيلَ : الْأَسْفَعُ الَّذِي تَعْلُو وَجْهَهُ حُمْرَةٌ تَنْحُو إِلَى السَّوَادِ .
33652 - وَقَوْلُهُ : «أَدَانَ مُعْرِضًا» ، أَيِ : اسْتَدَانَ مُتَهَاوِنًا بِذَلِكَ ، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ ، أَيْ : أُحِيطَ بِهِ ، يُرِيدُ أَحَاطَ بِهِ غُرَمَاؤُهُ ، وَأَحَاطَ الدَّيْنُ بِهِ . 33653 - وَذَلِكَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ . . الْآيَةَ ، أَيْ غَلَبَ الدَّيْنُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، فَاسْوَدَّ جَمِيعُهَا ، فَلَمْ تَعْرِفْ مَعْرُوفًا ، وَلَا أَنْكَرَتْ مُنْكَرًا .
33654 - وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الدَّيْنِ : آخِرُهُ حَرَبٌ ، وَالْحَرَبُ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ السَّلَبُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : رَجُلٌ حَرِيبٌ ، أَيْ : سَلِيبٌ مَسْلُوبٌ . 33655 - قَالَ الشَّاعِرُ ، وَهُوَ الْقَاسِمُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ : قَوْمٌ إِذَا نَزَلَ الْحَرِيبُ بِدَارِهِمْ رَدُّوهُ رَدَّ صَوَاهِلٍ وَنِيَاقِ .