بَابُ الْحَمَالَةِ فِي الْكِتَابَةِ
قَالَ مَالِكٌ : إِذَا كَاتَبَ الْقَوْمُ جَمِيعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً ، وَلَا رَحِمَ بَيْنَهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِهَا ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءٌ عَنْ بَعْضٍ ، وَلَا يَعْتِقُ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ حَتَّى يُؤَدُّوا الْكِتَابَةَ كُلَّهَا ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَتَرَكَ مَالًا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِمْ أُدِّيَ عَنْهُمْ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ فَضْلُ الْمَالِ لِسَيِّدِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ كَاتَبَ مَعَهُ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ شَيْءٌ ، وَيَتْبَعُهُمُ السَّيِّدُ بِحِصَصِهِمُ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ ، مِنَ الْكِتَابَةِ الَّتِي قُضِيَتْ مِنْ مَالِ الْهَالِكِ ، لِأَنَّ الْهَالِكَ إِنَّمَا كَانَ تَحَمَّلَ عَنْهُمْ ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا عَتَقُوا بِهِ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ الْهَالِكِ وَلَدٌ حُرٌّ لَمْ يُولَدْ فِي الْكِتَابَةِ ، وَلَمْ يُكَاتَبْ عَلَيْهِ ، لَمْ يَرِثْهُ ; لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى مَاتَ . 34548 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَبِيدَ إِذَا كَاتَبَهُمْ سَيِّدُهُمْ كِتَابَةً وَاحِدَةً ، فَهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ حُمَلَاءُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمْ رَحِمٌ يَتَوَارَثُونَ بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ ، إِلَّا أن الَّذِينَ بَيْنَهُمْ رَحِمٌ يَتَوَارَثُونَ بِهَا ، إِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ ، وَتَرَكَ مِنَ الْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا تُؤَدَّى مِنْهُ الْكِتَابَةُ ، أُدِّيَتْ مِنْهُ ، وَمَا فَضَلَ وَرِثُوهُ عَنْهُ بِأَرْحَامِهِمْ ، وَبِأَنَّهُمْ مُسَاوُونَ فِي الْحَالِ ، وَلَا يَرِثُهُ الْوَلَدُ الْحُرُّ ; لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا . 34549 - وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، لَا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ كَانُوا مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ ، أَوْ كَانُوا أَحْرَارًا قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ حِينَ مَاتَ عَبِيدٌ ، وَمَاتَ هُوَ عَبْدًا ، فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ .
34550 - وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ ; يُعْتَقُ مَالُهُ الَّذِي تَرَكَ ، وَيَرِثُهُ الْأَحْرَارُ مِنْ وَلَدِهِ . 34551 - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ . 34552 - وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ رَحِمٌ يَتَوَارَثُونَ بِهَا ، فَهُمْ رُحَمَاءُ عِنْدَ مَالِكٍ .
34553 - رَوَى الْحَكَمُ مَا وَصَفَ ، وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ كَلَامٌ صَحِيحٌ ، يُعْتَقُونَ فِي ذَلِكَ الْحَالِ ، وَيَضْمَنُونَ بِهِ مَا يَعْتِقُونَ مِنَ السَّيِّدِ ، مِنْ أَجْلِ الْحَمَالَةِ ; لِأَنَّهُ مَالُ مُكَاتَبٍ لَهُ ، كَانَ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَالُ السَّيِّدِ بَعْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْهُ مَا تَحَمَّلَهُ عَنْ مَنْ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ ، فَيَعْتِقُ بِهِ ، وَيَغْرِمُ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ . 34554 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ : فَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عِنْدَهُ حَمِيلًا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَالْمَالُ كُلُّهُ لِلسَّيِّدِ ، وَيَسْعَوْنَ فِي حِصَصِهِمْ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِمْ ، فَإِنْ أَدُّوا ذَلِكَ عَتَقُوا بِشَرْطِ الْكِتَابَةِ ، وَإِلَّا فَهُمْ عَبِيدٌ إِنْ عَجَزُوا عَنِ الْأَدَاءِ . 34555 - وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ : لَا يَكُونُونَ حُمَلَاءً ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ السَّيِّدُ فِي الْكِتَابَةِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مُكَاتَبٍ أَوْ مُكَاتَبَةٍ كَاتَبَتْ عَلَى بَنِيهَا ، فَأَدَّتْ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ ; عَنْهَا وَعَنْهُمْ ، أَوْ أَدَّى الْكِتَابَةَ مِنْهُمْ ، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مَنْ أَدَّاهَا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ .
34556 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَصِحُّ حِمَالَةُ الْمُكَاتَبِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، كَمَا لَا تَصِحُّ حِمَالَةُ الْأَجْنَبِيَّةِ عَنْهُمْ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ لِعِوَضِهَا ، بِالْمَوْتِ وَالْعَجْزِ أَيْضًا ، وَلَا يَضْرِبُ بِمَا حَمَلَ مِنْهَا السَّيِّدُ مَعَ الْغُرَمَاءِ ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . 34557 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ الْفُقَهَاءِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى : مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمْ . 34558 - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا ، فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا ، إِذَا لَمْ يُؤَدِّ كِتَابَتَهُ كُلَّهَا ، وَإِذَا مَاتَ عَبْدًا ، فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ ، فَكَيْفَ يُؤَدِّي مِنْ مَالِ السَّيِّدِ عَنْ بَنِي مُكَاتَبِهِ ؟ وَهُمْ لَمْ يَسْتَحِقُّوا مِيرَاثًا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرْثُهُ حُرٌّ ، وَلَا عَبْدٌ ، وَأَنَّ مَالَهُ لِسَيِّدِهِ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمِيرَاثَ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ فِي حِينِهِ ، فَكَيْفَ يَعْتِقُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ بِالْأَدَاءِ عَنْهُمْ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيَرِثُونَهُ بَعْدُ ؟ هَذَا مُحَالٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا حِينَ مَاتَ أَبُوهُمْ ، أَوْ عَبِيدًا حِينَ مَاتَ ، ثُمَّ عَتَقُوا بَعْدُ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَرِثُوهُ .
35559 - وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَسَالِمٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَقَتَادَةَ ، وَجَمَاعَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ شِهَابٍ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ . 35560 - وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ، وَأَنَّهُ إِنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءَ ، الْكِتَابَةِ أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا ، وَمَا يُخَلِّفُهُ مِنْ مَالٍ ، فَلِسَيِّدِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا إِذَا تَرَكَ مِنَ الْمَالِ وَفَاءً بِالْكِتَابَةِ وَفَضْلًا .