أثر عن الزبير بن العوام وشفاعة للسارق قبل أن يبلغ السلطان
مَالِكٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ لَقِيَ رَجُلًا قَدْ أَخَذَ سَارِقًا ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ ، فَشَفَعَ لَهُ الزُّبَيْرُ لِيُرْسِلَهُ ، فَقَالَ : لَا حَتَّى أَبْلُغَ بِهِ السُّلْطَانَ . فَقَالَ الزُّبَيْرُ : إِذَا بَلَغْتَ بِهِ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ . 35923 - هَذَا خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ ، وَيَتَّصِلُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ .
35924 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَدْخَلَ مَالِكٌ خَبَرَ الزُّبَيْرِ بَيَانًا لِحَدِيثِ صَفْوَانَ ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُعَطِّلَ حَدًّا مِنَ الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِقَامَتُهَا عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَتْهُ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَيْهَا ، إِذَا اسْتُتِرَتْ عَنْهُ ، وَبِأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِي ذَوِي الْحُدُودِ حَسَنَةٌ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ كَانَتِ الْحُدُودُ فِيهَا وَاجِبَةً إِذَا لَمْ تَبْلُغِ السُّلْطَانَ . 35925 - وَهَذَا كُلُّهُ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَحَسْبُكَ بِذَلِكَ عِلْمًا . 35926 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي وَكِيعٌ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنِ الْفُرَافِصَةِ الْحَنَفِيِّ ، قَالَ : مَرُّوا عَلَى الزُّبَيْرِ بِسَارِقٍ فَشَفَعَ لَهُ .
فَقَالُوا : أَتَشْفَعُ لِلسَّارِقِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَا لَمْ يُؤْتَ بِهِ إِلَى الْإِمَامِ . فَإِذَا أُتِيَ بِهِ إِلَى الْإِمَامِ فَلَا عَفْوَ لَهُ عَنْهُ إِنْ عَفَا عَنْهُ . 35927 - وَرَوَى ابْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنِ الْفُرَافِصَةِ ، أَنَّ الزُّبَيْرَ مَرَّ بِلِصٍّ قَدْ أُخِذَ ، فَقَالَ : دَعُوهُ ، اعْفُوا عَنْهُ .
فَقَالُوا : أَتَأْمُرُنَا بِهَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ! فَقَالَ : إِنَّ الْحُدُودَ يُعْفَى عَنْهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ إِلَى السُّلْطَانِ ، فَإِذَا رُفِعَتْ إِلَى السُّلْطَانِ فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ إِنْ عُفِيَ عَنْهَا . 35928 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفْوَانَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَهَبِ الرِّدَاءَ إِلَّا رَجَاءَ الْعَفْوِ عَنْهُ . 35929 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، أَنَّ عَلِيًّا شَفَعَ لِسَارِقٍ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَشْفَعُ لِسَارِقٍ ؟ ! قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ ذَلِكَ لَيُفْعَلُ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْإِمَامَ .
35930 - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ . 35931 - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ مِثْلُ ذَلِكَ . 35932 - وَالْآثَارُ فِي السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَةٌ .
35933 - وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَعَمَّارًا ، وَالزُّبَيْرَ أَخَذُوا سَارِقًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ ، قَالَ عِكْرِمَةُ : فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : بِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ حِينَ خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ ، فَقَالَ : لَا أُمَّ لَكَ أَمَا لَوْ كُنْتَ أَنْتَ لَسَرَّكَ أَنْ يُخَلَّى سَبِيلُكَ . 35934 - وَهَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ إِلَى السُّلْطَانِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي حُكْمِهِ . 35935 - وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدَةُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ .
35936 - قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي قَاسِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلِّمَ فِي شَيْءٍ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَأَقَمْتُ عَلَيْهَا الْحَدَّ . 35937 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْبَابِ فِي قِصَّةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ الْمَسْرُوقِ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ ، وَهُوَ قَدْ تَوَسَّدَهُ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِرْزَ قَدْ يَكُونُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْفِعْلِ . 35938 - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ وَأَتْبَاعُهُمْ عَلَى مُرَاعَاةِ الْحِرْزِ فِيمَا يَسْرِقُهُ السَّارِقُ ؛ فَقَالُوا : مَا سَرَقَهُ السَّارِقُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، بَلَغَ الْمِقْدَارَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَمْ لَمْ يَبْلُغْ ؟ .
35939 - وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا ؛ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ . 35940 - وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا قَطْعَ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ حَتَّى يُؤويَهَا الْمُرَاحُ ، فَإِذَا أَوَاهَا الْمُرَاحُ فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا ثَمَنَ الْمِجَنِّ . 35941 - وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ ؛ إِذْ رَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ثِقَةٌ ، وَأَدْرَكَ أَبَاهُ ، وَأَبُوهُ شُعَيْبٌ أَدْرَكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .
35942 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ . 35943 - فَلَمَّا كَانَ الْخَائِنُ لَا يُحْتَرَزُ مِنْهُ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي حِرْزٍ ، فَلَيْسَ بِسَرِقَةٍ يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ . 35944 - وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ ، أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُضَارِبِ مِنْ مَالِ مُضَارِبِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُوَدَعُ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ .
35945 - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَبْوَابٍ مِنْ مَعَانِي الْحِرْزِ يَطُولُ ذِكْرُهَا . 35946 - فَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، أَنَّ الْحِرْزَ كُلُّ مَا يَحْرِزُ النَّاسُ بِهِ أَمْوَالَهُمْ ، إِذَا أَرَادُوا التَّحَفُّظَ مِنْ سَارِقٍ يَسْرِقُهَا ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّيْءِ الْمَحْرُوزِ ، وَاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ ، فَإِذَا ضُمَّ الْمَتَاعُ فِي السُّوقِ ، وَقَعَدَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ حِرْزٌ لَهُ . سَوَاءٌ كَانَ الْمَتَاعُ فِي ظَرْفٍ فَأَخْرَجَهُ السَّارِقُ مِنْ ظَرْفِهِ ، أَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ ، جَازَ ذَلِكَ .
35947 - وَكَذَلِكَ إِبِلُ الْقَافِلَةِ ، وَدَوَابُّ الرُّفْقَةِ ، إِذَا قَطَرَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، أَوْ كَانَتْ غَنَمًا فِي مُرَاحِهَا أَوْ مَتَاعًا فِي فُسْطَاطٍ ، أَوْ خِبَاءٍ ، وَعَلَيْهِ مَنْ يَحْفَظُهُ ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يَطُولُ أَوْصَافُهُ . 35948 - وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَقَارِبٌ جِدًّا . 35949 - وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : كُلُّ سَارِقٍ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ ذَهَبًا ، أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، مِنْ حِرْزٍ أَخَذَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ مِلْكِ مَالِكٍ لَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِقَطْعِ السَّارِقِ أَمْرًا مُطْلَقًا ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِقْدَارَ الْمَقْطُوعَ فِيهِ ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحِرْزَ .
35950 - وَتَكَلَّمُوا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِمَا وَصَفْنَا ، وَمَا أَعْلَمُ لَهُمْ فِي تَرْكِ مُرَاعَاةِ إِخْرَاجِ السَّرِقَةِ مِنْ حِرْزِهَا إِلَّا شَيْئًا عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَرِوَايَةً عَنِ الْحَسَنِ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهَا . 35951 - وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّارِقَ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَسْرِقَ شَيْئًا مَحْرُوزًا يُخْرِجُهُ مِنْ حِرْزِهِ . 35952 - وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ؛ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ .
35953 - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، وَيُرْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ فَيُقِرُّ ، أَوْ تَثْبُتُ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، فَيَأْمُرُ الْإِمَامُ بِقَطْعِهِ ، فَيَهَبُ لَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ عَلَى مَا صَحَّ عَنْ صَفْوَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . 35954 - فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ : يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَهُ ، وَالصَّدَقَةَ عَلَيْهِ بِمَا سَرَقَهُ ، رُبَّمَا وَقَعَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ . 35955 - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ .
35956 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَطَائِفَةٌ : لَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الشَّيْءَ الْمَسْرُوقَ بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ ، فَلَا تَقْطَعُ يَدُ أَحَدٍ فِي مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ . 35957 - وَهَذَا مِنْهُمْ دَفْعٌ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ ؛ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، وَلِمَ يَرْوُونَ شَيْئًا يَرُدُّونَهُ بِهِ . 35958 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لَوْ وَقَعَتِ الْهِبَةُ مِنَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِلسَّارِقِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْأَمَامِ : 35959 - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ عَنْهُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .
35960 - وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا : يُقْطَعُ . 35961 - وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى . 35962 - وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ بِالزَّانِي بِأَمَةِ غَيْرِهِ ، تُوهَبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، أَوْ يَشْتَرِيهَا قَبْلَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، أَنَّ مِلْكَهُ الطَّارِئَ لَا يُزِيلُ عَنْهُ الْحَدَّ .
35963 - وَمِنْ حُجَّةِ أَبِي حَنَفِيَّةِ ، وَمَنْ تَابَعَهُ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ : تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ ؛ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقْدِ وَجَبَ . 35964 - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ بِهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ بِالْهِبَةِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَقَدْ حَصَلَ الشَّيْءُ الْمَسْرُوقُ مِلْكًا لِلسَّارِقِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ السُّلْطَانَ ، فَلَمْ يَبْلُغِ الْحَدُّ السُّلْطَانَ إِلَّا وَهُوَ يَعْفُو عَنْهُ . 35965 - قَالُوا : وَمَا صَارَ مِلْكًا لِلسَّارِقِ ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْطَعُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لَا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ .
35966 - قَالُوا : وَالطَّارِئُ مِنَ الشُّبَهَاتِ فِي الْحُدُودِ ، بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِ . قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَاتِ . 35967 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفْوَانَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْمَالِ النَّظَرِ مَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ صَحِيحِ الْقِيَاسِ فِي مِلْكِ الزَّانِي ، نَظَرًا لَهُ قَبْلَ الْحَدِّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .