دِيَةُ الْخَطَأِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ
قَالَ مَالِكٌ : وَمَنْ قَتَلَ خَطَأً ، فَإِنَّمَا عَقْلُهُ مَالٌ لَا قَوَدَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ مَالِهِ ، يُقْضَى بِهِ دَيْنُهُ ، وَيَجُوزُ فِيهِ وَصِيَّتُهُ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ تَكُونُ الدِّيَةُ قَدْرَ ثُلُثِهِ ، ثُمَّ عُفِيَ عَنْ دِيَتِهِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ دِيَتِهِ جَازَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ ، إِذَا عُفِيَ عَنْهُ ، وَأَوْصَى بِهِ . 36788 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ كَسَائِرِ مَالِ الْمَقْتُولِ ، يَرِثُهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ ذَوُو الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَةِ ، إِلَّا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ شَذَّتْ ، فَلَمْ أَرَ لِذِكْرِ مَا أَتَتْ بِهِ وَجْهًا . 36789 - وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : لا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا .
حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَيْهِ ، أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا . 36790 - وَكَانَ قَتْلُ أَشْيَمَ خَطَأً ، فَقَضَى بِهِ عُمَرُ . 36791 - وَالنَّاسُ بَعْدَهُ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ دِيَةَ الْمَقْتُولِ كَسَائِرِ مَالِهِ تَجُوزُ فِيهِ وَصِيَّتُهُ ، كَمَا تَجُوزُ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا غَيْرَهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِهَا إِلَّا ثُلُثُهَا ، فَإِنَّ عُفِيَ عَنْهَا ، فَلِلْعَاقِلَةِ ثُلُثُهَا ، وَيَغْرَمُونَ الثُّلُثَيْنِ ، وَالْعَفْوُ هُنَا كَالْوَصِيَّةِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ دِيَتِهِ ، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْهَا ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ أَنَّ الْقَاتِلَ خَطَأً لَا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا ، كَمَا أَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا ، لَا يَرِثُ مِنَ الْمَالِ ، وَلَا مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا .
36792 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ : إِنْ وَهَبَ الَّذِي يُقْتَلُ خَطَأً دِيَتَهُ لِلَّذِي قَتْلَهُ ، فَإِنَّمَا لَهُ مِنْهَا ثُلُثُهَا ، إِنَّمَا هُوَ مَالُهُ ، فَيُوصِي فِيهِ . 36793 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ ، قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِدِيَتِهِ ، وَقُتِلَ خَطَأً ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، فَالثُّلُثُ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ . 36794 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مُجْمَلُهُ فِي مَنْ قُتِلَ خَطَأً ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ دِيَتِهِ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ دِيَتِهِ ، كَانَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِهَا ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ .
36795 - وَأَمَّا مَنْ قُتِلَ عَمْدًا ، فَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ دَمِهِ ، وَعَنْ كُلِّ مَا يَجِبُ لَهُ فِيهِ ، كَمَا لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنَ الدِّيَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ . 36796 - ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِدَمِهِ ، وَكَانَ قَتْلٌ عَمْدًا ، فَهُوَ جَائِزٌ . 36797 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : إِذَا كَانَ عَمْدًا ، فَهُوَ جَائِزٌ ، وَلَيْسَ فِي الثُّلُثِ .
36798 - قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : وَقَالَ هِشَامٌ ، عَنِ الْحَسَنِ : إِذَا كَانَ خَطَأً ، فَهُوَ فِي الثُّلُثِ . 36799 - قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أُصِيبَ رَجُلٌ ، فَتَصَدَّقَ بِنَفْسِهِ ، فَهُوَ جَائِزٌ ، قَالَ : فَقُلْنَا : لَهُ ثُلُثُهُ ؟ فَقَالَ : بَلْ كُلُّهُ . 36800 - قَالَ : وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : إِذَا ضَرَبَهُ عَمْدًا ، أَوْ خَطَأً ، فَأَوْصَى لَهُ الْمَضْرُوبُ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ ، جَازَتِ الْوَصِيَّةُ فِي مَالِهِ ، وَفِي دِيَتِهِ ، إِذَا عُلِمَ بِذَلِكَ مِنْهُ ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ ، ثُمَّ قَتَلَهُ الْمُوصِي لَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، فَالْوَصِيَّةُ لِقَاتِلِ الْخَطَأِ تَجُوزُ فِي مَالِهِ ، وَلَا تَجُوزُ فِي دِيَتِهِ .
36801 - وَقَاتِلُ الْعَمْدِ لَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ مِنَ الْمَقْتُولِ ، فِي مَالِهِ ، وَلَا فِي دِيَتِهِ . 36802 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ ، لَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْمَقْتُولِ لِلْقَاتِلِ . 36803 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، جَازَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَلَمْ تَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ .
36804 - قَالَ : وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهَا كَالْمِيرَاثِ فِي بُطْلَانِهَا فِي الْقَتْلِ ، وَجَبَ أَلَّا تَجُوزَ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْمِيرَاثُ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ . 36805 - قَالَ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الدِّيَةِ ، وَسَائِرِ مَالِهِ ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَالُ الْمَيِّتِ ، مَوْرُوثٌ عَنْهُ . 36806 - قَالَ : وَلَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ تَتَقَدَّمَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، أَوْ تَتَأَخَّرَ عَنْهَا ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَوْ جَازَتْ ، كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْمَوْتِ ، وَهَذَا قَاتِلٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ .
36807 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ عَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَمْدًا عَنْ قَوَدٍ وَعَقْلٍ ، جَازَ فِيمَا لَزِمَهُ بِالْجِنَايَةِ ، وَلَمْ يَجُزْ فِي مَا زَادَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ . 36808 - وَلَوْ قَالَ : قَدْ عَفَوْتُ عَنْهَا ، وَعَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا مَنْ عَقْلٍ وَقَوَدٍ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوَدِ ، لِلْعَفْوِ ، وَجَازَ مَا عَفَى عَنْهُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ . 36809 - قَالَ : وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ : إِنَّ الْخَارِجَ يُؤْخَذُ بِجَمِيعِ الْجِنَايَةِ ، لِأَنَّهَا صَارَتْ نَفْسًا .
36810 - قَالَ : وَلَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ بِحَالٍ . 36811 - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُزَنِيُّ . 36812 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُ مَالِكٍ : مَنْ قُتِلَ خَطَأً ، فَإِنَّمَا عَقْلُهُ مَالٌ ، لَا قَوَدَ فِيهِ ، أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ لَا قَوَدَ فِيهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ .
فَجَعَلَهَا دِيَةً وَكَفَّارَةً ، لَا غَيْرَ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .