بَاب الطَّهُورِ لِلْوُضُوءِ
( عَنْ سَعِيدِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ ( بْنِ سَلَمَةَ ) الْمَخْزُومِيِّ ( مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ ) وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَرْوِ عَنْهُ فِيمَا عَلِمْتُ إِلَّا صَفْوَانُ وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتُهُ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، تُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْجُلَاحُ أَبُو كَثِيرٍ وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَعَكَسَ بَعْضُ الرُّوَاةِ الِاسْمَيْنِ فَقَالَ : سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَبَدَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ . ( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ) ، وَيُقَالُ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ أَوْسَطِ التَّابِعِينَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ الْغَزْوِ بِالْمَغْرِبِ ، مَاتَ بَعْدَ الْمِائَةِ ، قَالَ فِي الْإِكْمَالِ : أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ عَنِ اسْمِ أَبِي بُرْدَةَ وَالِدِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ : لَا أَعْرِفُهُ . ( وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ) بْنِ قُصَيٍّ فَهُوَ قُرَشِيٌّ كَذَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ : لَيْسَ هُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَطَرَحَهُ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : سَأَلَ التِّرْمِذِيُّ الْبُخَارِيَّ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا فَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، قُلْتُ : هُشَيْمٌ يَقُولُ فِيهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي بَزَرَةَ يَعْنِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ فَقَالَ : وَهِمَ فِيهِ . ( أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) قَالَ الرَّافِعِيُّ : رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يُوهِمُ إِرْسَالًا فِي الْإِسْنَادِ لِلتَّصْرِيحِ فِيهِ بِسَمَاعِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، يَعْنِي فَرِوَايَةُ هَذَا الْبَعْضِ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ ( يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ ) مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ الْفِرَاسِيُّ ، وَفِي الْإِصَابَةِ عَبْدٌ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ، الْعَرَكِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا كَافٌ هُوَ الْمَلَّاحُ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ ، قِيلَ : هُوَ اسْمُ الَّذِي سَأَلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَحَكَى ابْنُ بَشْكُوَالٍ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمُدْلِجِيُّ .
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : اسْمُهُ عُبَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : اسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ صَخْرَةَ قَالَ : وَبَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ وُدٍّ . انْتَهَى .
( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ) الْمِلْحَ لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ فِيهِ لِأَنَّهُ مَالِحٌ وَمُرٌّ وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : فِيهِ جَوَازُ رُكُوبِهِ لِغَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا جِهَادٍ لِأَنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا رَكِبَهُ لِلصَّيْدِ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ . ( وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ ) بِقَدْرِ الِاكْتِفَاءِ ( فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ) بِكَسْرِ الطَّاءِ ( أَفَنَتَوَضَّأُ بِهِ ) أَيْ بِمَاءِ الْبَحْرِ ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُوَ ) أَيِ الْبَحْرُ ( الطَّهُورُ مَاؤُهُ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْبَالِغُ فِي الطَّهَارَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْـزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ( سُورَةُ الْفُرْقَانِ : الْآيَةُ 48 ) أَيْ طَاهِرًا فِي ذَاتِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ فِي جَوَابِهِ : نَعَمْ مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ لِيُقْرِنَ الْحُكْمَ بِعِلَّتِهِ وَهِيَ الطَّهُورِيَّةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي بَابِهَا وَدَفْعًا لِتَوَهُّمِ حَمْلِ لَفْظَةِ نَعَمْ عَلَى الْجَوَازِ ، وَلَمَّا وَقَعَ جَوَابًا لِلسَّائِلِ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ مَاؤُهُ الطَّهُورُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ اهْتِمَامًا بِذِكْرِ الْوَصْفِ الَّذِي اتَّصَفَ بِهِ الْمَاءُ الْمُجَوِّزُ لِلْوُضُوءِ وَهُوَ الطَّهُورِيَّةُ ، فَالتَّطْهِيرُ بِهِ حَلَالٌ صَحِيحٌ كَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِهِ مُزَيَّفٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ أَرَادَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ عِنْدَهُ . ( الْحِلُّ ) أَيِ الْحَلَالُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ عَمْرٍو ( مَيْتَتُهُ ) قَالَ الرَّافِعِيُّ : لَمَّا عَرَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ عَلَى السَّائِلِ فِي مَاءِ الْبَحْرِ أَشْفَقَ أَنْ يُشْتَبَهَ عَلَيْهِ حُكْمُ مَيْتَتِهِ وَقَدْ يُبْتَلَى بِهَا رَاكِبُ الْبَحْرِ ، فَعَقَّبَ الْجَوَابَ عَنْ سُؤَالِهِ بِبَيَانِ حُكْمِ الْمَيْتَةِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : سَأَلَهُ عَنْ مَائِهِ فَأَجَابَهُ عَنْ مَائِهِ وَطَعَامِهِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ يُعْوِزُهُمُ الزَّادُ فِيهِ كَمَا يُعْوِزُهُمُ الْمَاءُ ، فَلَمَّا جَمَعَتْهُمُ الْحَاجَةُ انْتَظَمَ الْجَوَابُ بِهِمَا . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى بِأَكْثَرَ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ وَإِفَادَةً لِعِلْمٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ ، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَةِ إِلَى الْحُكْمِ كَمَا هُنَا ، لِأَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ فِي طَهُورِيَّةِ مَاءِ الْبَحْرِ فَهُوَ عَنِ الْعِلْمِ بِحِلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ تَقَدُّمِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ أَشَدُّ تَوَقُّفًا ، قَالَ الْيَعْمُرِيُّ : وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ عَامَّانِ وَلَيْسَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي الْعُمُومِ فِي حِلِّ مَيْتَتِهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ مُبْتَدَأٌ لَا فِي مَعْرِضِ جَوَابٍ ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ الْجَوَابِ عَنْ مَسْئُولٍ عَنْهُ . وَالثَّانِي وَرَدَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ فَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ ، وَلَوْ قِيلَ فِي الْأَوَّلِ : إِنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنِ الْوَضُوءِ وَكَوْنِ مَائِهِ طَهُورًا يُفِيدُ الْوَضُوءَ وَغَيْرَهُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ، وَلَفْظُ الْمَيْتَةِ مُضَافٌ إِلَى الْبَحْرِ ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مُطْلَقِ مَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَيْهِ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَيْتَةِ وَإِنْ سَاغَتِ الْإِضَافَةُ فِيهِ لُغَةً ، بَلْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَيْتَةِ مِنْ دَوَابِّهِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ السَّمَكِ كَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ تَلَقَّتْهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ ، وَتَدَاوَلَتْهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ ، وَرَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَسَأَلْتُ عَنْهُ الْبُخَارِيَّ فَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .