حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ

بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ 8 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ مِنْهُمْ إِنْكَارَهُ رَوَى إِثْبَاتَهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَهُ إِلَّا مَالِكًا فِي رِوَايَةٍ أَنْكَرَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإِثْبَاتِهِ وَمُوَطَّأُهُ يَشْهَدُ لِلْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَعَلَيْهَا جَمِيعُ أصحابه وجميع أَهْلِ السُّنَّةِ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : رِوَايَةُ الْإِنْكَارِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَظَاهِرُهَا الْمَنْعُ مِنْهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْحِ .

قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : آخِرُ مَا فَارَقْتُ مَالِكًا عَلَى الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ . وَقَالَ ابْنُ أَصْبَغَ : الْمَسْحُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ فِي الْحَضَرِ أَثْبَتُ عِنْدَنَا مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ مَالِكًا عَلَى خِلَافِهِ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ جَوَازُهُ لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ وَهِيَ مُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ وَبِهَا جَزَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ ، وَالْمَشْهُورُ الْإِطْلَاقُ ، وَصَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ وَصَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُتَوَاتِرٌ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ رُوَاتَهُ فَجَاوَزُوا الثَّمَانِينَ مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِهِ إِلَّا أَنَّ قَوْمًا ابْتَدَعُوا كَالْخَوَارِجِ فَقَالُوا : لَمْ يَرِدْ بِهِ الْقُرْآنُ ، وَالشِّيعَةِ لِأَنَّ عَلِيًّا امْتَنَعَ مِنْهُ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مَوْصُولٍ يُثْبَتُ بِمِثْلِهِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَتَوَاتَرَ عن المصطفى الْمَسْحُ ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ : أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَا يَرَى مَسْحَ الْخُفَّيْنِ .

71 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، قَالَ الْمُغِيرَةُ : فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيْ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ فَفَزِعَ النَّاسُ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ . 73 71 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عَبَّادٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ ( ابْنِ زِيَادٍ ) أَخِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَبِيهِ ، وَيُقَالُ لَهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، يُكَنَّى عَبَّادٌ أَبَا حَرْبٍ ، وَكَانَ وَالِيَ سِجِسْتَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ . وَقَوْلُهُ : ( مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ) وَهْمٌ مِنْ مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ : وَانْفَرَدَ يَحْيَى ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ بِوَهْمٍ ثَانٍ فَقَالَا : ( عَنْ أَبِيهِ ) وَلَمْ يَقُلْهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ غَيْرُهُمَا وَإِنَّمَا يَقُولُونَ : ( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ) ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ ، فَعَبَّادٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْمُغَيَّرَةِ وَلَا رَآهُ وَإِنَّمَا يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَحَمْزَةَ ابْنَيِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِمَا ، وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ وَحْدَهُ دُونَ حَمْزَةَ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : فَوَهَمَ مَالِكٌ فِي إِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ : عَبَّادٌ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ .

وَالثَّانِي إِسْقَاطُهُ عُرْوَةَ ، وَحَمْزَةَ . قَالَ : وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ ، فَإِنْ كَانَ رَوْحٌ حَفِظَهُ عَنْ مَالِكٍ فَقَدْ أَتَى بِالصَّوَابِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : وَبَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَذْكُرْ عَبَّادًا ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ عَبَّادًا ، وَعُرْوَةَ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ ) أَيْ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَفِي مُسْلِمٍ : فَتَبَرَّزَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْغَائِطِ فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَلِابْنِ سَعْدٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ : لَمَّا كُنَّا بَيْنَ الْحَجَرِ وَتَبُوكَ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَتَبِعْتُهُ بِمَاءٍ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَيَجْمَعُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ( فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ) آخِرِ مَغَازِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ بِمَنْعِ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ ، كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْفَتْحِ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ سهو لِأَنَّ عِلَّةَ مَنْعِهِ كَوْنُهُ عَلَى مِثَالِ الْفِعْلِ كَتَقُولُ ، وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مَكَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَرْحَلَةً وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا عَيْنَ تَبُوكَ ، فَمُقْتَضَاهُ قِدَمُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ ، وَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَبُوكُونَ عَيْنَ الْمَاءِ أَيْ يُدْخِلُونَ فِيهَا الْقَدَحَ وَيُحَرِّكُونَهُ لِيَخْرُجَ الْمَاءُ : مَا زِلْتُمْ تَبُوكُونَهَا بَوْكًا ( قَالَ الْمُغِيرَةُ : فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ ) فِي إِدَاوَةٍ ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُتْبِعَهُ بِالْإِدَاوَةِ فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَوَضَّأَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : أَنَّ الْمَاءَ أَخَذَهُ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَعْرَابِيَّةٍ صَبَّتْهُ لَهُ مِنْ قِرْبَةٍ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ ، فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَلْهَا فَإِنْ كَانَتْ دَبَغَتْهَا فَهُوَ طَهُورُهَا ، فَقَالَتْ : أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ دَبَغْتُهَا وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَوِ امْرَأَةً سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَمْ لَا لِقَبُولِ خَبَرِ الْأَعْرَابِيَّةِ . ( فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ ( فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَيَّادِ بْنِ زِيَادٍ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوِيٍّ : فَغَسَلَهُمَا فَأَحْسَنَ غَسْلِهِمَا ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ : وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، وَفِي مُسْلِمٍ : فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ وجهه .

( ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ ) بِضَمِّ الْكَافِ ( جُبَّتِهِ ) وَهِيَ مَا قُطِعَ مِنَ الثِّيَابِ مُشَمِّرًا ، قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ : وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ : مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَفِيهِ أَنَّ الصُّوفَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لِأَنَّ الشَّامَ إِذْ ذَاكَ كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ وَمَأْكُولُهَا كُلُّهَا الْمَيْتَاتُ ، كَذَا قَالَ . ( فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيِ الْجُبَّةِ ) إِخْرَاجَ يَدَيْهِ ، وَفِيهِ التَّشْمِيرُ فِي السَّفَرِ وَلُبْسُ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ فِيهِ لِأَنَّهَا أَعْوَنُ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْغَزْوِ لِلتَّشْمِيرِ وَالتَّأَسِّي بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدِي فِي الْحَضَرِ .

( فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ ) زَادَ مُسْلِمٌ : وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ . ( فَغَسَلَ يَدَيْهِ ) وَلِأَحْمَدَ : فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . ( وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ ، وَفِيهِ وُجُوبُ تَعْمِيمِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَكَأَنَّهُ لِعُذْرٍ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْمَسْحِ عَلَى مَا بَقِيَ .

( وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ) مَحِلُّ الشَّاهِدِ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ; لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَهَا بِاتِّفَاقٍ إِذْ هِيَ آخِرُ الْمَغَازِي ، ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ خَاصٌّ بِالْوُضُوءِ لَا مَدْخَلَ لِلْغُسْلِ فِيهِ بِإِجْمَاعٍ . ( فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ ) ، وَفِي مُسْلِمٍ قَالَ - أَيِ الْمُغِيرَةُ - : فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَلِابْنِ سَعْدٍ : فَأَسْفَرَ النَّاسُ بِصَلَاتِهِمْ حَتَّى خَافُوا الشَّمْسَ فَقَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ . ( وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ) مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَزَادَ أَحْمَدُ : قَالَ الْمُغِيرَةُ : فَأَرَدْتُ تَأْخِيرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : دَعْهُ .

وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ : فَانْتَهَيْنَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَةً فَسَبَّحَ النَّاسُ لَهُ حِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى كَادُوا يُفْتَتَنُونَ فَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَنْكُصَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِ اثْبُتْ . ( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ ) لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ : فَصَلَّى وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاتِهِ فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : أَصَبْتُمْ أَوْ أَحْسَنْتُمْ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : فَصَلَّيْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي أَدْرَكْنَا وَقَضَيْنَا الَّتِي سَبَقَتْنَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَلَّى خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : مَا قُبِضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُصَلِّيَ خَلْفَ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أُمَّتِهِ .

( فَفَزِعَ النَّاسُ ) لِسَبْقِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ وَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ رَجَاءَ أَنْ يُشِيرَ لَهُمْ هَلْ يُعِيدُونَهَا مَعَهُ أَمْ لَا لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ أَدْرَكَهَا مِنْ أَوَّلِهَا وَأَنَّ قِيَامَهُ لِأَمْرٍ حَدَثَ كَأَنَّهُمْ ظَنُّوا الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لِتَصْرِيحِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : بِأَنَّهُمْ عَلِمُوا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ دَخَلَ مَعَهُمْ فَسَبَّحُوا حَتَّى كَادُوا يُفْتَتَنُوا . ( فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ : أَحْسَنْتُمْ ) إِذْ جَمَعْتُمُ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُسَكِّنَ مَا بِهِمْ مِنَ الْفَزَعِ ، قَالَهُ الْأَصِيلِيُّ ، وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ يَغْبِطُهُمْ : أَنْ صَلَّوْا لِوَقْتِهَا بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْغِبْطَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَيَجْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ عِنْدَهُمْ مِمَّا يُغْبَطُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ فَيَكُونُ قَدْ غَبِطَهُمْ لِتَقَدُّمِهِمْ وَسَبْقِهِمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِي قَوْلِهِ : أَحْسَنْتُمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي شُكْرُ مَنْ بَادَرَ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ وَعَمِلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَفُضِّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِذْ قَدَّمَهُ الصَّحَابَةُ بَدَلًا عَنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِيهِ اقْتِدَاءُ الْفَاضِلِ بِالْمَفْضُولِ ، وَصَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ بَعْضِ أُمَّتِهِ .

وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا : مَا قُبِضَ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ، وَأَمَّا بَقَاءُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَتَأَخُّرُ أَبِي بَكْرٍ لِيَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْفَرْقُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ قَدْ رَكَعَ رَكْعَةً فَتَرَكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّقَدُّمَ لِئَلَّا يَخْتَلَّ تَرْتِيبُ صَلَاةِ الْقَوْمِ ، بِخِلَافِ صَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَا اخْتِلَالَ فِيهَا لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا هُوَ الْمُصْطَفَى وَأَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا كَانَ يُسْمِعُ النَّاسَ ، وَفَرَّقَ أَيْضًا بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ حُكْمَ قَضَاءِ الْمَسْبُوقِ بِفِعْلِهِ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ نَعَمْ . رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ ، وَالنَّسَائِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَا : آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْهَا : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّفِّ خَلْفَهُ ، وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ أَذِنَ أَيِ النَّبِيُّ فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي فَوَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ ، فَقِيلَ لِلْأَعْمَشِ : فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .

وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ وَفِيهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ هُوَ الْإِمَامُ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مَأْمُومًا وَيُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ ، وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّهُ صَلَّى فِي مَرَضِهِ صَلَاتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا مَأْمُومًا وَفِي الْأُخْرَى إِمَامًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي خَبَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ خَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تُرِيدُ بِأَحَدِهِمَا الْعَبَّاسُ وَالْآخَرِ عَلِيًّا ، وَفِي خَبَرِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا خَرَجَ بَيْنَ بَرِيرَةَ وَنُوبَةَ يَعْنِي بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ ، وَكَذَا جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا أَبُو بَكْرٍ مَأْمُومًا صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالَّتِي صَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَهُ هِيَ صَلَاةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا ، وَكَذَا جَمَعَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : إِنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ بِلَا شَكٍّ إِحْدَاهُمَا الَّتِي رَوَاهَا الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْهَا وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صِفَتُهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ النَّاسَ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ . وَالثَّانِيَةُ الَّتِي رَوَاهَا مَسْرُوقٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَحُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ صِفَتُهَا : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي الصَّفِّ مَعَ النَّاسِ ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً ، قَالَ : وَلَيْسَتْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فِي الدَّهْرِ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى التَّعَارُضِ بَلْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْس صلوات وَمُدَّةُ مَرَضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا فِيهِ سِتُّونَ صَلَاةً أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ . اهـ .

فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ عَوْفٍ ، فَيَرُدُّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ عِيَاضٍ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَؤُمَّهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا لَا لِعُذْرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ شَافِعًا لَهُ ، وَقَدْ قَالَ : أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ ، وَلِذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَحَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْأُنْمُوذَجِ وَقَالَ : إِنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَؤُمَّهُ ابْتِدَاءً وَلَوْ لِعُذْرٍ ، أَمَّا إِذَا أَمَّ غَيْرُهُ فَجَاءَ وَأَبْقَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجُوزُ بِدَلِيلِ قِصَّتَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَأَمَّا الصِّدِّيقُ فَإِنَّمَا أَمَّ غَيْرُهُ لِغِيبَتِهِ لِمَرَضِهِ وَاسْتِخْلَافِهِ إِيَّاهُ عَلَى الْإِمَامَةِ . وَأَمَّا ابْنُ عَوْفٍ فَإِنَّمَا أَمَّ لِغِيبَتِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ بِتَقْدِيمِ النَّاسِ لَهُ حِينَ خَافُوا طُلُوعَ الشَّمْسِ ، وَلِهَذَا لَمَّا أَتَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَمَّ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْكُصَ حَتَّى أَشَارَ لَهُ أَنِ اثْبُتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ثُمَّ حَدِيثُ الْبَابِ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ الْوَهْمَانِ السَّابِقَانِ ، وَقَدْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ ، وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ طُرُقٍ وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، ذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ سِتُّونَ رَجُلًا .

ورد في أحاديث12 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث