بَاب مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ . 147 144 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَخِفَّةِ النُّونِ ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ ) أَيْ أُثْقِلَ ، يُقَالُ : شَقَقْتُ عَلَيْهِ إِذَا أَدْخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّةَ أَشُقُّ شَقًّا بِالْفَتْحِ ، ( عَلَى أُمَّتِي ) كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ ، وَرَوَاهُ أَكْثَرُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ بِالشَّكِّ . وَلِلْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى النَّاسِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوطَآتِ مِنْ طَرِيقِ الْمُوَطَّأِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ : أَوْ عَلَى النَّاسِ فَلَمْ يُعِدْ قَوْلَهُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ ، ( لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ ) أَيْ بِاسْتِعْمَالِهِ لَا الْآلَةِ ، زَادَ الْبُخَارِيُّ : مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَمْ أَرَهَا أَيْضًا فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى لَكِنْ بِلَفْظِ : عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَخَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ : مَعَ الْوُضُوءِ بَدَلَ الصَّلَاةِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ .
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : لَوْلَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوِ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ وَ لَا النَّافِيَةِ ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ ; لِأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْيِ ثُبُوتٌ فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفَى الْأَمْرَ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْيُ . ثَانِيهِمَا : أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ لِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ لِلْوُجُوبِ إِذِ النَّدْبُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْعَاءَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَقِيقَةً لِأَنَّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ ، انْتَهَى .
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ : لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ بَدَلَ لَأَمَرْتُهُمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشُقَّ ، انْتَهَى . وَإِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنْ حَكَى أَبُو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .
وَعَنْ دَاوُدَ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ ، فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا : تَسَوَّكُوا وَلِأَحْمَدَ نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَالْمَنْفِيُّ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِهِ مُقَيَّدًا بِكُلِّ صَلَاةٍ لَا مُطْلَقُ الْأَمْرِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَيَّدِ نَفْيُ الْمُطْلَقِ وَلَا مِنْ ثُبُوتِ الْمُطْلَقِ التَّكْرَارُ كَمَا قَالَ مَنِ احْتَجَّ بِهِ ، عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْمَشَقَّةِ هِيَ الْمَانِعَةُ مِنَ الْأَمْرِ بِالسِّوَاكِ ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي وُجُوبِهِ مَرَّةً وَإِنَّمَا الْمَشَقَّةُ فِي وُجُوبِ التَّكْرَارِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَمْ يُؤْخَذْ هُنَا مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِكُلِّ صَلَاةٍ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ فِيهِ : إِنَّ الْمَنْدُوبَاتِ تَرْتَفِعُ إِذَا خُشِيَ مِنْهَا الْحَرَجُ ، وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وجواز اجتهاده فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ ، فَلَوْ وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى النَّصِّ لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ عَدَمَ وُرُودِ النَّصِّ لَا وُجُودَ الْمَشَقَّةِ ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِجَوَازِ أَنَّهُ إِخْبَارٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ سَبَبَ عَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى لَأَمَرْتُهُمْ أَيْ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ ، انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَفِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارٌ مِنْ أَثْنَائِهِ وَآخِرِهِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ .