حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ

بَاب مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ 8 - بَابُ مَا جَاءَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ أَيْ أَصْلُ الْقُرْآنِ كَمَا قِيلَ أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ أَنْ يُقَالَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، وَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِمْ لِذَلِكَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ : لَا يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ بَلْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، وَأُمُّ الْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ ، وَأُمُّ الشَّيْءِ أَصْلُهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ كَأَنَّهَا تَؤُمُّهُ . 185 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا ، قَالَ أُبَيٌّ : فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي ؟ قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : فَقَرَأْتُ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الفاتحة : 2] حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ .

187 185 - ( مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ ) الْمَدَنِيِّ ( أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ تَابِعِيٌّ مَدَنِيٌّ لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى اسْمٍ ، وَفِي تَهْذِيبِ الْمِزِّيِّ : أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمَا ثَالِثًا ، مَعَ أَنَّ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَالَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَاهُ ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَوَهِمَ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ الْمُعَلَّى ، فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ ، وَهَذَا تَابِعِيٌّ مَكِّيٌّ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ كَمَا قَالَ . ( مَوْلَى عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ) بِضَمِّ الْكَافِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيِّ الْعَبْشَمِيِّ صَحَابِيٌّ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَعَاشَ حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَهُ صُحْبَةٌ لَمَّا كَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ عُثْمَانَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاءِ ، فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، كُلُّهُمْ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْحَدِيثَ .

وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيٍّ ، وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، انْتَهَى . وَلَكِنْ حَيْثُ صَحَّتِ الطَّرِيقُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا ، فَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ كَوْنِهِمَا جَمِيعًا رَوَيَا الْحَدِيثَ ؟ ( أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ يُصَلِّي ) ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ : أَيْ أُبَيُّ فَالْتَفَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ صَلَّى فَخَفَّفَ . ( فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ لَحِقَهُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَيْحَكَ مَا مَنَعَكَ إِذْ دَعَوْتُكَ أَنْ تُجِيبَنِي ؟ أَوَلَيْسَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنِ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ( سُورَةُ الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 24 ) الْآيَةَ ، فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

( فَوَضْعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ عَلَى يَدِهِ ) لِلتَّأْنِيسِ وَتَأْكِيدِ الْوُدِّ ، وَهَذَا يُسْتَحْسَنُ مِنَ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ . ( وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَ سُورَةً ) أَيْ تَعْلَمَ مِنْ حَالِهَا مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ عَالِمًا بِالسُّورَةِ وَحَافِظًا لَهَا ، وَعَبَّرَ بِأَرْجُو عَلَى مَعْنَى التَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِقُدْرَتِهِ ، وَأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ يَسِيرًا إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِتَمَامِهِ إِلَّا أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ . وَقَالَ غَيْرُهُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : الرَّجَاءُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ نَبِيِّهِ وَاقِعٌ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً ( مَا أَنْزَلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَلَا فِي الزَّبُورِ ( وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلَهَا ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يَعْنِي فِي جَمْعِهَا لِمَعَانِي الْخَيْرِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ بِالْحَمْدِ الَّذِي هُوَ لَهُ حَقِيقَةٌ ، لِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ مِنْهُ ، وَإِنَّ حُمِدَ غَيْرُهُ ، فَإِلَيْهِ يَعُودُ الْحَمْدُ ، وَفِيهَا التَّعْظِيمُ لَهُ ، وَأَنَّهُ الرَّبُّ لِلْعَالَمِ أَجْمَعَ ، وَمَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، الْمَعْبُودُ الْمُسْتَعَانُ ، وَفِيهَا الدُّعَاءُ إِلَى الْهُدَى وَمُجَانَبَةُ مَنْ ضَلَّ ، وَالدُّعَاءُ بَابُ الْعِبَادَةِ ، فَهِيَ أَجْمَعُ سُورَةٍ لِلْخَيْرِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تُجْزِي فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا عَنْهَا ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْوِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ .

وَقَالَ الْبَاجِيُّ : ذَكَرَ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تُجْزِي عَنْ غَيْرِهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا يُجْزِي عَنْهَا غَيْرُهَا ، وَسَائِرُ السُّوَرِ يُجْزِي بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ ، وَهِيَ سُورَةٌ قَسَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ من الصفات الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا ، وَلَهَا مَعَ ذَلِكَ صِفَاتٌ تَخْتَصُّ بِهَا مِنْ أَنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ ثَوَابٍ أَوْ حَسَنَةٍ ، وَأَيَّدَهُ السُّيُوطِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ تَعْدِلُ بِثُلُثَيِ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي سُورَةٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ أَنَّ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلْثَ الْقُرْآنِ ، وَفِي : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَنَّهَا رُبْعُ الْقُرْآنِ ، انْتَهَى ، وَفِيهِ نَظَرٌ . فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ : مَنْ قَرَأَ يس مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ هُوَ فِي جَامِعَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَفْضِيلِ بَعْضِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ ، وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ نَاقِصٌ عَنْ دَرَجَةِ الْأَفْضَلِ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ وَكَلَامُهُ لَا نَقْصَ فِيهَا .

وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى التَّفَاضُلِ أَنَّ ثَوَابَ بَعْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ بَعْضٍ ، فَالتَّفَاضُلُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ ، وَيُؤَيِّدُ التَّفْضِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 106 ) ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالرِّفْعَةِ ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، وَالتَّقْدِيرُ نَأْتِ مِنْهَا بِخَيْرٍ وَهُوَ كَقَوْلِهِ : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ( سُورَةُ النَّمْلِ : الْآيَةُ 89 ) لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الْآيَةِ أَوْ مِثْلِهَا يُرَجِّحُ الاحتمال الْأَوَّلَ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ . ( قَالَ أُبَيٌّ ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَنْ أُبَيٍّ ( فَجَعَلْتُ أُبْطِئُ فِي الْمَشْيِ رَجَاءَ ذَلِكَ ) ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِبْطَاؤُهُ خَوْفًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ النِّسْيَانِ ( ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) عَلِّمْنِي ( السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي ، قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ ) أُبَيٌّ : ( فَقَرَأْتُ ) عَلَيْهِ ( ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْهَا وَلَا حُجَّةٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْمٌ لَهَا كَمَا يُقَالُ : قَرَأْتُ يس وَغَيْرَهَا مِنْ أَسْمَاءِ السُّورَةِ ، انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا تُسَمَّى سُورَةَ الْحَمْدِ وَلَا تُسَمَّى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرُدُّ هَذَا التَّعَقُّبَ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ : ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هِيَ هَذِهِ السُّورَةُ ) ، وَقَدْ قَرَأَهَا أُبَيٌّ بِلَا بَسْمَلَةٍ عَلَى الْمُتَبَادِرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ ، فَثَبَتَ الْمُدَّعَى لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ) الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ( سُورَةُ الْحِجْرِ : الْآيَةُ 87 ) ، فَالْمُرَادُ السَّبْعُ الْآي ؛ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ ؛ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، أَيْ تُعَادُ أَوْ لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّهِ ، أَوْ لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا .

وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبْعَ الْمَثَانِيَ هِيَ السَّبْعُ الطُّوَلُ أَيِ السُّورُ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ إِلَى آخِرِ الْأَعْرَافِ ثُمَّ بَرَاءَةٍ . وَفِي لَفْظِ الطَّبَرِيِّ : الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالْأَنْعَامُ وَالْأَعْرَافُ . قَالَ الرَّاوِي : وَذَكَرَ السَّابِعَةَ فَنَسِيتُهَا .

وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا يُونُسُ . وَعِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهَا الْكَهْفُ ، وَزَادَ : قِيلَ لَهُ : مَا الْمَثَانِي ؟ قَالَ : تُثَنَّى فِيهِنَّ الْقِصَصُ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهَا . وَرَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ .

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَثْبَتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المثاني فَقَالَ : هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ . وَبِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ عَنْ عَلِيٍّ : السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، زَادَ عَنْ عُمَرَ : تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ .

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : السَّبْعُ الْمَثَانِي الْفَاتِحَةُ ، قُلْتُ لِلرَّبِيعِ : إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا السَّبْعُ الطُّوَلُ ، قَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا أُنْزِلَ مِنَ الطُّوَلِ شَيْءٌ . ( وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُ ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ هُوَ الَّذِي أُعْطِيتُهُ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَهِيَ السَّبْعُ وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى السَّبْعِ ; لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ لَيْسَتْ هِيَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وَإِنْ جَازَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْهُ ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ أَيْ هُوَ الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْخَبَرَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ .

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ عِنْدِي هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَخَرَّجَ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى مَعْنَى التِّلَاوَةِ ، اهـ . لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي أُعْطِيتُ ، فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدَ تِلَاوَةٍ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الْبَاجِيِّ ، إِنَّمَا قِيلَ لَهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى مَعْنَى التَّخْصِيصِ لَهَا بِهَذَا الِاسْمِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَظِيمًا ، كَمَا يُقَالُ : الْكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتِ الْبُيُوتُ كُلُّهَا لِلَّهِ ، وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْظِيمِ لَهَا ، اهـ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ : كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُجِبْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي ، فَقَالَ : أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ( سُورَةُ الْأَنْفَالِ : الْآيَةُ 24 ) ، ثُمَّ قَالَ : لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ ، قُلْتُ لَهُ : أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَلِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ، وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ وَاخْتِلَافِ سِيَاقِهِمَا كَمَا رَأَيْتَهُ .

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، وَإِجْرَاءُ لَفْظِ الْعُمُومِ عَلَى جَمِيعِ مُقْتَضَاهُ ، وَأَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إِذَا تَقَابَلَا كَانَ الْعَامُّ مُنَزَّلًا عَلَى الْخَاصِّ ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْعُمُومِ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِجَابَةَ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَأَبُو الْوَلِيدِ أَنَّ إِجَابَتَهُ فِيهَا فَرْضٌ يَعْصِي الْمَرْءُ بِتَرْكِهِ ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِهِ . وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَبَحَثَ فِيهِ الْحَافِظُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ إِجَابَتَهُ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ ، أَمَّا كَوْنُهُ يَخْرُجُ بِالْإِجَابَةِ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَخْرُجُ ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَلَوْ خَرَجَ الْمُجِيبُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ بَعْضُهُمْ ، وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالنِّدَاءِ أَوْ يَشْمَلُ مَا هُوَ أَعَمُّ حَتَّى تَجِبَ إِجَابَتُهُ إِذَا سَأَلَ فِيهِ بَحْثٌ ؟ وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ إِجَابَةَ الصَّحَابَةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ كَذَلِكَ .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث