بَاب التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ فِي رَمَضَانَ
قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى يَحْتَجِرُ يُحَوِّطُ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ بِحَصِيرٍ يَسْتُرُهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ لِيَتَوَفَّرَ خُشُوعُهُ وَيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ . وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ احْتِجَارَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الَّذِي أَمَرَ النَّاسَ بِهِ بِقَوْلِهِ : صَلَّوْا فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ إِذَا احْتَجَرَ صَارَ كَأَنَّهُ بَيْتٌ بِخُصُوصِهِ ، أَوْ أَنَّ سَبَبَ كَوْنِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ عَدَمُ شَوْبِهِ بِالرِّيَاءِ غَالِبًا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَزَّهٌ عَنِ الرِّيَاءِ فِي بَيْتِهِ وَفِي غَيْرِ بَيْتِهِ . ( فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى اللَّيْلَةَ الْقَابِلَةَ ) ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ : مِنَ الْقَابِلَةِ ، وَلِبَعْضِ رُوَاتِهِ : مِنَ الْقَابِلِ ، بِالتَّذْكِيرِ أَيِ الْوَقْتِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ .
( فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ ) بِالشَّكِّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ : امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ حَتَّى اغْتَصَّ بِأَهْلِهِ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْهُ : فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ ( فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، زَادَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : حَتَّى سَمِعْتُ نَاسًا مِنْهُمْ يَقُولُونَ الصَّلَاةَ ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ : فَقَالُوا : مَا شَأْنُهُ ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : فَفَقَدُوا صَوْتَهُ وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ تَأَخَّرَ فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ ، وَفِي لَفْظٍ عَنْ زَيْدٍ : فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تُفَسَّرُ هَذِهِ اللَّيَالِي الْمَذْكُورَاتُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِمَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قُمْنَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ حَتَّى ظَنَنَّا أَلَّا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ وَكَانَ يُسَمُّونَ بِهِ السُّحُورَ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَأَمَّا عَدَدُ مَا صَلَّى فَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ صَلَّى عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ .
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ ، وَهَذَا أَصَحُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَيْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بَيَانَ عَدَدِ صَلَاتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ جَابِرٍ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ ، فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ اجْتَمَعْنَا فِي الْمَسْجِدِ وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا ثُمَّ دَخَلْنَا فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْحَدِيثَ ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً احْتُمِلَ أَنَّ جَابِرًا مِمَّنْ جَاءَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ لَيْلَتَيْنِ ، وَمَا فِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ حَتَّى كُنَّا رَهْطًا فَلَمَّا أَحَسَّ بِنَا تَجَوَّزَ ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ ، الْحَدِيثَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى . ( فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ ) مِنْ حِرْصِكُمْ عَلَى الصَّلَاةِ مَعِي ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَلَمَّا قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخَفْ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ ، وَفِي مُسْلِمٍ : شَأْنُكُمْ .
( وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ ) صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْ تَشُقُّ عَلَيْكُمْ فَتَتْرُكُوهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَجْزَ الْكُلِّيَّ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ مِنْ أَصْلِهِ ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْخَشْيَةُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، فَإِذَا أُمِنَ التَّبْدِيلُ كَيْفَ يُخَافُ مِنَ الزِّيَادَةِ ؟ وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفْعَالُهُ الشَّرْعِيَّةُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا عِنْدَ الْمُوَاظَبَةِ ، فَتَرَكَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ لِئَلَّا يَدْخُلَ ذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ بِطَرِيقِ الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ لَا مِنْ طَرِيقِ إِنْشَاءِ فَرْضٍ جَدِيدٍ زَائِدٍ عَلَى الْخَمْسِ ، وَهَذَا كَمَا يُوجِبُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاةَ نَذْرٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ زِيَادَةُ فَرْضٍ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ ، وَبِاحْتِمَالِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَضَ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ ثُمَّ حَطَّ مُعْظَمَهَا بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ ، فَإِذَا عَادَتِ الْأُمَّةُ فِيمَا اسْتَوْهَبَ لَهَا وَالْتَزَمَتْ مَا اسْتَعْفَى لَهُمْ نَبِيُّهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُنْكِرْ أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ فَرْضًا كَمَا الْتَزَمَ نَاسٌ الرَّهْبَانِيَّةَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ عَابَ اللَّهُ التَّقْصِيرَ فِيهَا بِقَوْلِهِ : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ( سُورَةُ الْحَدِيدِ : الْآيَةَ 27 ) فَخَشِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَكُونَ سَبِيلُهُمْ سَبِيلَ أُولَئِكَ فَقَطَعَ الْعَمَلَ شَفَقَةً عَلَيْهِمُ ، انْتَهَى . وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ وَوُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ نِزَاعٌ . وَجَوَابُ الْكِرْمَانِيِّ بِأَنَّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَمْنُ مِنْ نَقْصِ شَيْءٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلزِّيَادَةِ ، فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُضَعَّفِ بِقَوْلِهِ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَنْقُصُ عَنِ الْعَشْرِ ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ فِي أَصْلِ السُّؤَالِ بِأَنَّ الزَّمَانَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ فَلَا مَانِعَ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ ، فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ خَبَرٌ وَلَا يُدْخِلُهُ النَّسْخُ عَلَى الرَّاجِحِ وَلَيْسَ كَقَوْلِهِ مَثَلًا : صُومُوا الدَّهْرَ أَبَدًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ وَاصَلَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ لِمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِأَنَّ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ من القرب فُرِضَ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهَا وُجُوبَهَا ، وَإِلَى الثَّالِثِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ : قَوْلُهُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ أَيْ تَظُنُّونَهُ فَرْضًا فَيَجِبُ مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ كَمَا إِذَا ظَنَّ الْمُجْتَهِدُ حِلَّ شَيْءٍ أَوْ حُرْمَتَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ ، وَقِيلَ : كَانَ حُكْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا وَاظَبَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ وَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِ فِيهِ أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِمُ ، اهـ . وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ فَقَدْ وَاظَبَ عَلَى رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ وَتَابَعَهُ أَصْحَابُهُ وَلَمْ تُفْرَضْ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُحْتَمَلُ أَنْ هَذَا الْقَوْلَ صَدَرَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ فَخَشِيَ إِنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ وَالْتَزَمُوهُ مَعَهُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّ أَصْلَ الشَّرْعِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَأُمَّتِهِ فِي الْعِبَادَةِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَشِيَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَيْهَا أَنْ يَضْعُفُوا عَنْهَا فَيَعْصِي تَارِكُهَا بِتَرْكِ اتِّبَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ الْحَافِظُ : وَحَدِيثُ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ يُدْفَعُ فِي صُدُورِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ كُلِّهَا ، وَقَدْ فَتَحَ الْبَارِي بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ سِوَاهَا : أَحَدُهَا أَنَّهُ خَافَ جَعْلَ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ وَيُومِئُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنِ اشْتِرَاطِهِ ، وَأَمِنَ مَعَ إِذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنِ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ . ثَانِيهَا : أَنَّهُ خَافَ افْتِرَاضَهُ كِفَايَةً لَا عَيْنًا فَلَا يَكُونُ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهَا .
ثَالِثُهَا : أَنَّهُ خَافَ فَرْضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً كَمَا قَالَ . ( وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ : خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ هَذَا الشَّهْرِ ، فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ لِأَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ . قَالَ : وَأَقْوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي نَظَرِي الْأَوَّلُ ، وَفِي الْحَدِيثِ نَدْبُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَا سِيَّمَا فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً لِأَنَّ الْخَشْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أُمِنَتْ بَعْدَهُ وَلِذَا جَمَعَهُمْ عُمَرُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ التَّالِي ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا اعْتَادَهُ أَتْبَاعُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عُذْرَهُ وَحُكْمَهُ ، وَشَفَقَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ وَتَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ وَتَقْدِيمُ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَجَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ نَفْيَ النِّيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ بِالظَّنِّ وَتَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلنَّوَافِلِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .