بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 397 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ فَقَالَ : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ . 22 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ ، قَالَ تَعَالَى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ( سُورَةُ التَّوْبَةِ : الْآيَةُ 103 ) أَيِ ادْعُ لَهُمْ ، وَالدُّعَاءُ نَوْعَانِ : دُعَاءُ عِبَادَةٍ وَدُعَاءُ مَسْأَلَةٍ ، فَالْعَابِدُ دَاعٍ كَالسَّائِلِ وَبِهِمَا فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ( سُورَةُ غَافِرٍ : الْآيَةُ 60 ) أَيْ أَطِيعُونِي أُثِبْكُمْ أَوْ سَلُونِي أُعْطِكُمْ ، وَتَرِدُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ ، فُسِّرَ فِي رِوَايَةٍ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ، وَبِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ فَيَخْتَلِفُ حَالُ الصَّلَاةِ بِحَسَبِ حَالِ الْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى لَهُ وَالْمُصَلَّى عَلَيْهِ . وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ صَلَاةُ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عند مَلَائِكَتِهِ وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ .
وَرَجَّحَ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ الْمَغْفِرَةُ . وَقَالَ الرَّازِيُّ ، وَالْآمِدِيُّ الرَّحْمَةُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 157 ) ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ ، وَمِنَ الْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ ، وَمِنَ الطَّيْرِ وَالْهَوَامِّ التَّسْبِيحُ ، قَالَ تَعَالَى : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 41 ) . 397 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ نِسْبَةً لِجَدِّهِ .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَضَّاحٍ وَغَيْرِهِ : أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَلَى الْأَصْلِ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَبِي بَكْرٍ اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ وَقِيلَ : يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ( عَنْ عَمْرِو ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ( ابْنِ سُلَيْمٍ ) بِضَمِّ السِّينِ ( الزُّرَقِيِّ ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ ( أَنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي ) بِالْإِفْرَادِ ( أَبُو حُمَيْدٍ ) بِضَمِّ الْحَاءِ ( السَّاعِدِيُّ ) الصَّحَابِيُّ الشَّهِيرُ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ سَعْدِ بْنُ الْمُنْذِرِ أَوِ ابْنُ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَقِيلَ : عَمْرٌو ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا وَعَاشَ إِلَى أَوَّلِ سَنَةِ سِتِّينَ ( أَنَّهُمْ ) أَيِ الصَّحَابَةُ ( قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) قَالَ الْحَافِظُ : وَقَفْتُ مِنْ تَعْيِينِ مَنْ بَاشَرَ السُّؤَالَ عَلَى جَمَاعَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي الطَّبَرَانِيِّ ، وَبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمُسْلِمٍ ، وَزَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ الْأَنْصَارِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ فَضْلِ الصَّلَاةِ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، قَالَ : فَإِنْ ثَبَتَ تَعَدُّدُ السَّائِلِ فَوَاضِحٌ ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَاحِدٌ فَالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ يُرِيدُ نَفْسَهُ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ الْبَعْضِ بِالْكُلِّ بَلْ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْجَمْعِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِمَا ذُكِرَ . ( كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ ) أَيْ كَيْفَ اللَّفْظُ الَّذِي يَلِيقُ أَنْ نُصَلِّيَ بِهِ عَلَيْكَ كَمَا عَلَّمْتَنَا السَّلَامَ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ اللَّفْظَ اللَّائِقَ بِكَ ، وَلِذَا عَبَّرَ بِكَيْفَ الَّتِي يُسْأَلُ بِهَا عَنِ الصِّفَةِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : إِنَّمَا سَأَلُوهُ صِفَةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْ جِنْسِهَا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِالدُّعَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ : أَنَّ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ خَبَرٌ مُحْتَمَلٌ لَا يَقْطَعُ فِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ إِنْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَسَأَلُوهُ لِمَا احْتَمَلَ لَفْظُ الصَّلَاةِ مِنَ الْمَعَانِي . وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : لَمَّا نَزَلَتْ : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 56 ) الآية ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا السَّلَامَ فَكَيْفَ الصَّلَاةُ ؟ ( فَقَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ) صَلَاةً تَلِيقُ بِهِ ( وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ) مَنْ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِلَادَةً عَلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ( كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يَدْخُلُ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ وَآلِ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ فِيهِ مُحَمَّدٌ ، وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الْآثَارُ مَرَّةً بِإِبْرَاهِيمَ وَمَرَّةً بِآلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَرُبَّمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( سُورَةُ غَافِرٍ : الْآيَةُ 46 ) أَنَّ فِرْعَوْنَ دَاخِلٌ مَعَهُمْ . ( وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَى الْبَرَكَةِ هُنَا الزِّيَادَةُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ ، وَقِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى التَّطْهِيرِ وَالتَّزْكِيَةِ أَيْ طَهِّرْهُمْ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 33 ) ، وَقِيلَ : تَكْثِيرُ الثَّوَابِ ، فَالْبَرَكَةُ لُغَةً التَّكْثِيرُ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ ثَبَاتُ ذَلِكَ وَدَوَامُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : بَرَكَتِ الْإِبِلُ أَيْ ثَبَتَتْ عَلَى الْأَرْضِ ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو الْيَمَنِ بْنُ عَسَاكِرَ فَقَالَ : وَبَارِكْ أَيْ أَثْبِتْ لَهُمْ وَأَدِمْ لَهُمْ مَا أَعْطَيْتَهُمْ مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ .
قَالَ السَّخَاوِيُّ : وَلَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ قَوْلِهِ : وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ فِيمَا عَثَرْنَا عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ ذَكَرَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ وَجُوبُهَا فِي الْجُمْلَةِ ، فَقَالَ : عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُبَارِكَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ وُجُوبُهَا فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ الْمَجْدُ الشِّيرَازِيُّ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ لَا يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ . ( كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ ) فَعِيلٌ مِنَ الْحَمْدِ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَهُوَ مَنْ تُحْمَدُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ أَوِ الْمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ ، أَوْ بِمَعْنَى حَامِدٍ أَيْ يَحْمَدُ أَفْعَالَ عِبَادِهِ حُوِّلَ لِلْمُبَالَغَةِ وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِزِيَادَةِ الْإِفْضَالِ وَإِعْطَاءِ الْمُرَادِ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ ، ( مَجِيدٌ ) بِمَعْنَى مَاجِدٌ مِنَ الْمَجْدِ وَهُوَ الشَّرَفُ ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ ، وَالْوَاقِعُ هُنَا عَكْسُهُ لِأَنَّ مُحَمَّدًا وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَطْلُوبَةَ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ حَصَلَتْ أَوْ تَحْصُلُ لِغَيْرِهِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ .
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ ، قَالَ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لِغَيَّرَ صِفَةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَبَيْنَ التَّغْيِيرِ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا فِيهِ بَلِ التَّغْيِيرُ قَدْ يُوهِمُ نَقْصًا لِإِبْرَاهِيمَ ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَشَرْعًا لِأُمَّتِهِ لِيَكْتَسِبُوا بِهِ الْفَضِيلَةَ ، أَوِ التَّشْبِيهُ إِنَّمَا هُوَ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ لَا لِلْقَدْرِ بِالْقَدْرِ كَقَوْلِهِ : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 163 ) ، وَمِنْهُ : وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ( سُورَةُ الْقَصَصِ : الْآيَةُ 77 ) وَرَجَّحَهُ فِي الْمُفْهِمِ . وَقَوْلُهُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ مَقْطُوعٌ عَنِ التَّشْبِيهِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ الْأُصُولِ فِي رُجُوعِ الْمُتَعَلِّقَاتِ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ ، وَبِأَنَّ التَّشْبِيهَ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْآلِ ، وَبِأَنَّ غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَاوُوا الْأَنْبِيَاءَ ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ لَهُمْ صَلَاةً مِثْلَ الصَّلَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِإِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ آلِهِ ؟ وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الثَّوَابُ الْحَاصِلُ لَهُمْ لَا جَمِيعَ الصِّفَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ ، أَوْ أَنَّ كَوْنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَرْفَعَ مِنَ الْمُشَبَّهِ لَا يَطَّرِدُ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِالْمِثْلِ بَلْ بِالدُّونِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 35 ) وَأَيْنَ يَقَعُ نُورُ طَاقَةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ مِنْ نُورِ الْعَلِيمِ الْفَتَّاحِ ؟ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا ظَاهِرًا وَاضِحًا لِلسَّامِعِ حَسُنَ تَشْبِيهُ النُّورِ بِالْمِشْكَاةِ ، وَكَذَا هُنَا لَمَّا كَانَ تَعْظِيمُ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مَشْهُورًا وَاضِحًا عِنْدَ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ حَسُنَ أَنْ يُطْلَبَ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا حَصَلَ لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ خَتْمُ الطَّلَبِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ فِي الْعَالَمِينَ ، وَلِذَا لَمْ يَقَعْ فِي الْعَالَمِينَ إِلَّا فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ دُونَ ذِكْرِ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ التَّالِي . وَقَالَ عِيَاضٌ : أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ سَأَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ لِيُتِمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ ، وَقِيلَ : بَلْ سَأَلَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ ، وَقِيلَ : بَلْ لِيَبْقَى لَهُ ذَلِكَ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُجْعَلُ لَهُ بِهِ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ كَإِبْرَاهِيمَ ، وَقِيلَ : سَأَلَ صَلَاةً يَتَّخِذْهُ بِهَا خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمُرَادُ اجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاةً بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ الَّتِي لِإِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ ، وَالْمَسْئُولُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ ، فَإِنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْآلِ أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْأَتْبَاعِ ، وَيَدْخُلُ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ خَلَائِقٌ لَا يُحْصَوْنَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي آلِ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ ، فَطَلَبَ إِلْحَاقَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا خَلَائِقُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا وَكَوْنُ الْمُشَارَكَةِ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ لَا قَدْرُهَا ، وَكَوْنُ الْمَسْئُولِ لَهُ مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ لَا نَفْسِهِ هِيَ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْمُخْتَارَةُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : الْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 33 ) قَالَ : مُحَمَّدٌ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ فَكَأَنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ خُصُوصًا بِقَدْرِ مَا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ عُمُومًا ، فَيَحْصُلُ لِآلِهِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَيَبْقَى الْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ أَزْيَدُ مِمَّا لِغَيْرِهِ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَتُظْهِرُ فَائِدَةُ التَّشْبِيهِ ، وَأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ . وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : سَبَبُ هَذَا التَّشْبِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ فِي بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَجِبْ دُعَاءَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ فِي مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا أَجَبْتَهَا عِنْدَمَا قَالُوهَا فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْجُودِينَ حِينَئِذٍ ، وَلِذَا خَتَمَ بِمَا خَتَمَ بِهِ هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ رُوحٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، خَمْسَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ .