بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ : أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ . 398 398 - ( مَالِكٌ ، عَنْ نُعَيْمِ ) بِضَمِّ النُّونِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) الْمَدَنِيِّ مَوْلَى آلِ عُمَرَ ( الْمُجْمِرِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا جِيمٌ سَاكِنَةٌ ، صِفَةٌ لَهُ وَلِأَبِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، ثِقَةٌ مِنْ أَوَاسِطِ التَّابِعِينَ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ) بْنِ عَبَدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الَّذِي كَانَ أُرِيَ الْأَذَانَ ( أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ ) عُقْبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مَاتَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ وَقِيلَ بَعْدَهَا ( أَنَّهُ قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ) سَيِّدِ الْخَزْرَجِ . قَالَ الْبَاجِيُّ فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَخُصُّ رُؤَسَاءَ النَّاسِ بِزِيَارَتِهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تَأْنِيسًا لَهُمْ ( فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةَ ( ابْنُ سَعْدٍ ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ ابْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجَيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ بَدْرِيٌّ ، وَالِدُ النُّعْمَانَ اسْتُشْهِدَ بِعَيْنِ التَّمْرِ ( أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) بُقُولِهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 56 ) ( فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ ) أَيْ فَعَلِمْنَا كَيْفَ اللَّفْظُ اللَّائِقُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْكَ ؟ زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ : إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا ( قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ حَيَاءً وَتَوَاضُعًا إِذْ فِي ذَلِكَ الرِّفْعَةُ لَهُ فَأَحَبَّ أَنْ لَوْ قَالُوا هُمْ ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْتَظِرَ مَا يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْقُرْآنِ ، قَالَهُ الْبَوْنِيُّ .
( حَتَّى تَمَنَّيْنَا ) وَدِدْنَا ( أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ) مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ كَرِهَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ . ( ثُمَّ قَالَ : قُولُوا : ) الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ اتِّفَاقًا فَقِيلَ : فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقِيلَ : فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ يَعْقُبُهُ سَلَامٌ ، وَقِيلَ : كُلَّمَا ذُكِرَ ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ) قَالَ الْحَازِمِيُّ : أَيْ عَظِّمْهُ فِي الدُّنْيَا بِإِعْلَاءِ ذِكْرِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ وَإِبْقَاءِ شَرِيعَتِهِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِإِجْزَالِ مَثُوبَتِهِ وَتَشْفِيعِهِ فِي أُمَّتِهِ وَأَيِّدْ فَضِيلَتَهُ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ ، وَلَمَّا كَانَ الْبَشَرُ عَاجِزًا عَنْ أَنْ يَبْلُغَ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَرَّعَ لَنَا أَنْ نُحِيلَ أَمْرَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى نَقُولُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، أَيْ : لِأَنَّكَ أَنْتَ الْعَالِمُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ( وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ) أَتْبَاعِهِ قَالَهُ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ ( سُورَةُ غَافِرٍ : الْآيَةُ 46 ) أَوْ ذُرِّيَّتِهِ . الْبَاجِيُّ : الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُمُ الْأَتْبَاعُ مِنَ الرَّهْطِ وَالْعَشِيرَةِ .
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَفْظُ آلٍ مُحْتَمَلٌ ، وَقِيلَ : يُفَسَّرُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ ( أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ) فَمَا أَجْمَلَهُ مَرَّةً فَسَّرَهُ أُخْرَى ( كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ بِدُونِ لَفْظِ آلٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَقِيلَ : هِيَ مُقْحَمَةٌ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِيهِمَا ، وَرَدَّهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَذِكْرَ آلِ مُحَمَّدٍ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ ثَابِتَةٌ فِي أَصْلِ الْخَبَرِ ، وَإِنَّمَا حَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظِ الْآخَرُ ( فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) مَحْمُودٌ مَاجِدٌ وَصَرْفًا لِبِنَاءِ الْمُبَالِغَةِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : هَذَا تَذْيِيلٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ وَتَقْرِيرٌ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ ، أَيْ إِنَّكَ حَمِيدٌ فَاعِلٌ مَا تَسْتَوْجِبُ بِهِ الْحَمْدَ مِنَ النِّعَمِ الْمُتَكَاثِرَةِ وَالْآلَاءِ الْمُتَعَاقِبَةِ الْمُتَوَالِيَةِ مَجِيدٌ كَرِيمٌ كَثِيرُ الْإِحْسَانِ إِلَى جَمِيعِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ، وَمِنْ مَحَامِدِكَ وَإِحْسَانِكِ أَنْ تُوَجِّهَ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى حَبِيبِكَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَآلِهِ ( وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ ) فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، رُوِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفَةٌ وَبِضَمِّ الْعَيْنِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ عُلِّمْتُمُوهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ ، قَالَ الْبَرْقِيُّ : وَالْأُولَى أَصَحُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : كِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَلَمْ يَقُلْ : كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى مُوسَى لِأَنَّهُ كَانَ التَّجَلِّي لَهُ بِالْجَلَالِ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 143 ) ، وَالْخَلِيلُ كَانَ التَّجَلِّي لَهُ بِالْجَمَالِ ، لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ وَالْخُلَّةَ مِنْ آثَارِ التَّجَلِّي بِالْجَمَالِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا لَهُ التَّجَلِّي بِالْجَمَالِ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلِيلِ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا لَهُ التَّجَلِّي بِالْوَصْفِ الَّذِي تَجَلَّى بِهِ لِلْخَلِيلِ ، فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْمُشَارَكَةُ فِي الْوَصْفِ لَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ ، فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَجَلَّى لَهُ بِالْجَمَالِ لِشَخْصَيْنِ بِحَسَبِ مَقَامَيْهِمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي وَصْفِ التَّجَلِّي فَتَجَلَّى لِلْخَلِيلِ بِحَسَبِ مَقَامِهِ ، وَلِلْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ مَقَامِهِ ، أَفَادَهُ الْعَارِفُ الْمَرْجَانِيُّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْقَاسِمِ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَيْتُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا : وَارْحَمْ مُحَمَّدًا ، فَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إِنْ كَانَتْ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خُصَّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 63 ) ، وَلِذَا أَنْكَرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى يَحْيَى وَمَنْ تَابَعَهُ فِي الرِّوَايَةِ .