بَاب جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ ، يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ . 426 427 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ ، وَفَاعِلُ ذَلِكَ الْقَرِينُ وَغَيْرُهُ ، وَيُحْتَمَلُ إِبْلِيسُ ، وَيَجُوزُ أَنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ الدَّاعِي إِلَيْهِ ، وَكَذَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ بِدْءِ الْخَلْقِ ، ( عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ) أَيْ : مُؤَخَّرِ عُنُقِهِ ، وَقَافِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ مُؤَخَّرُهُ ، وَمِنْهُ قَافِيَةُ الْقَصِيدَةِ ، وَفِي النِّهَايَةِ : الْقَفَا ، وَقِيلَ : مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ ، وَقِيلَ : وَسَطُهُ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ : أَحَدِكُمْ التَّعْمِيمُ فِي الْمُخَاطَبِينَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ مِنْهُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَا سِيَّمَا فِي الْجَمَاعَةِ لِمَا ثَبَتَ مَرْفُوعًا : مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ لِأَنَّ مُسَمَّى قِيَامِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ قِيَامُ بَعْضِهِ ، فَيَصْدُقُ عَلَى مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ جَمَاعَةً أَنَّهُ قَامَ اللَّيْلَ ، وَبِمَنْ وَرَدَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَالْأَنْبِيَاءِ ، وَمِنْ تَنَاوُلِهِ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ( سُورَةُ الْحِجْرِ : الْآيَةُ 42 ) وَكَمَنَ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ نَوْمِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ ، ( إِذَا هُوَ نَامَ ) وَلِبَعْضِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ : نَائِمٌ بِوَزْنِ فَاعِلٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ ، قَالَهُ كُلَّهُ الْحَافِظُ ، ( ثَلَاثَ ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ ( عُقَدٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ عُقْدَةٍ ( يَضْرِبُ ) بِيَدِهِ ( مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ ) أَيْ : عَلَيْهَا تَأْكِيدًا وَإِحْكَامًا لَهَا قَائِلًا ( عَلَيْكَ ليل طويل ) بِالرَّفْعِ ، وَلِأَبِي مُصْعَبٍ بِالنَّصْبِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ . قَالَ عِيَاضٌ : رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ بالنصب عَلَى الْإِغْرَاءِ ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ ؛ أَيْ : بَاقٍ عَلَيْكَ ، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ ؛ أَيْ : بَقِيَ عَلَيْكَ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الرَّفْعُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ الْأَمْكَنُ فِي الْغُرُورِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُخْبِرُهُ ، عَنْ طُولِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالرُّقَادِ بِقَوْلِهِ : ( فَارْقُدْ ) وَإِذَا نَصَبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ طُولِ الرُّقَادِ وَحِينَئِذٍ يَضِيعُ قَوْلُهُ : فَارْقُدْ ، وَمَقْصُودُ الشَّيْطَانِ تَسْوِيفُهُ بِالْقِيَامِ وَالْإِلْبَاسِ عَلَيْهِ ، وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِنَوْمِ اللَّيْلِ ، وَلَا يَبْعُدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي نَوْمِ النَّهَارِ كَالنَّوْمِ حَالَةَ الْإِبْرَادِ مَثَلًا ، لَا سِيَّمَا عَلَى تَفْسِيرِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ ، وَقِيلَ مَعْنَى يَضْرِبُ : يَحْجُبُ الْحِسَّ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ وَمِنْهُ : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ ( سُورَةُ الْكَهْفِ : الْآيَةُ 11 ) أَيْ : حَجَبْنَا الْحِسَّ أَنْ يَلِجَ فِي آذَانِهِمْ فَيَنْتَبِهُوا ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : مَا أَحَدٌ يَنَامُ إِلَّا ضُرِبَ عَلَى صِمَاخِهِ بِجَرِيرٍ مَعْقُودٍ أَخْرَجَهُ الْمُخْلِصُ فِي فَوَائِدِهِ ، وسماخ : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَيُقَالُ بِالصَّادِّ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : مَا أَصْبَحَ رَجُلٌ عَلَى غَيْرِ وُتْرٍ إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ قَدْرُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا يَعْقِدُ السَّاحِرُ مَنْ يَسْحَرُهُ ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ تَأْخُذُ إِحْدَاهُنَّ الْخَيْطَ فَتَعْقِدُ مِنْهُ عُقْدَةً وَتَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ بِالسِّحْرِ فَيَتَأَثَّرُ الْمَسْحُورُ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾( سُورَةُ الْفَلَقِ : الْآيَةُ 4 ) وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْقُودُ شَيْءٌ عِنْدَ قَافِيَةِ الرَّأْسِ لَا قَافِيَةُ الرَّأْسِ نَفْسُهَا ، وَهَلِ الْعَقْدُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ فِي غَيْرِهِ ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ شَعْرٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : عَلَى قَافِيَةِ أَحَدِكُمْ حَبْلٌ فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ ، وَلِأَحْمَدَ عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ : إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عُقِدَ عَلَى رَأْسِهِ بِجَرِيرٍ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : مَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى إِلَّا عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ مَعْقُودٌ حِينَ يَرْقُدُ الْحَدِيثَ ، وَجَرِيرٌ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - هُوَ الْحَبْلُ ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ لَهُ ، وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا تَحِلُّ بِالصَّلَاةِ فَيَلْزَمُ إِعَادَةُ عَقْدِهَا فَأَبْهَمَ فَاعِلَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَفَسَّرَهُ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ شَبَّهَ فِعْلَ الشَّيْطَانِ بِالنَّائِمِ بِفِعْلِ السَّاحِرِ بِالْمَسْحُورِ ، فَلَمَّا كَانَ السَّاحِرُ يَمْنَعُ بِعَقْدِهِ ذَلِكَ فَصَرَفَ مَنْ يُحَاوِلُ عَقْدَهُ كَانَ هَذَا مِثْلَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ النَّائِمِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ عَقْدُ الْقَلْبِ وَتَصْمِيمِهِ عَلَى الشَّيْءِ كَأَنَّهُ يُوَسْوِسُ لَهُ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ قِطْعَةٌ طَوِيلَةٌ فَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْقِيَامِ ، وَانْحِلَالُ الْعُقَدِ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ فِيمَا وَسْوَسَ بِهِ ، أَوِ الْعُقَدُ كِنَايَةٌ عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ لِلنَّائِمِ بالقول الْمَذْكُورِ ، وَمِنْهُ : عَقَدْتُ فُلَانًا عَنِ امْرَأَتِهِ ؛ أَيْ : مَنَعْتُهُ عَنْهَا ، أَوْ عَنْ تَثْقِيلِهِ عَلَيْهِ النَّوْمَ كَأَنَّهُ قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ شَدًّا ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْعُقَدِ الثَّلَاثِ : الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَكْثَرَهُمَا كَثُرَ نَوْمُهُ ، وَاسْتَبْعَدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ فَهِيَ غَيْرُهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حِكْمَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثِ أَنَّ أَغْلَبَ مَا يَكُونُ الِانْتِبَاهُ فِي السَّحَرِ ، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى النَّوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَنْقَضِ الثَّالِثَةَ إِلَّا وَقَدْ ذَهَبَ اللَّيْلُ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : التَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثِ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ قَطْعَهُ عَنْ ثَلَاثٍ : الذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ ، وَكَأَنَّهُ مَنَعَهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ عَقَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ : وَكَانَ تَخْصِيصُ الْقَفَا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْوَهَمِ وَمَجَالُ تَصَرُّفِهِ ، وَهُوَ أَطْوَعُ الْقُوَى لِلشَّيْطَانِ وَأَسْرَعُهَا إِجَابَةً لِدَعْوَتِهِ . ( فَإِنِ اسْتَيْقَظَ ) مِنْ نَوْمِهِ ( فَذَكَرَ اللَّهَ ) بِكُلِّ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَةُ الْحَدِيثِ وَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ ( انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ) وَاحِدَةٌ مِنَ الثَّلَاثِ ( فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ) ثَانِيَةٌ ( فَإِنْ صَلَّى ) فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً ( انْحَلَّتْ عُقَدُهُ ) الثَّلَاثُ كُلُّهَا بِالْجَمْعِ ، رَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ ، وَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَبِالْإِفْرَادِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَالْجَمْعُ أَوْجَهُ لَا سِيَّمَا وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي الْأُولَى عُقْدَةٌ ، وَفِي الثَّانِيَةِ عُقْدَتَانِ ، وَفِي الثَّالِثَةِ الْعُقَدُ ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ ، قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ ، وَفِي الْفَتْحِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ : انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا .
وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ : انْحَلَّتِ الْعُقَدُ . وَلِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِالْإِفْرَادِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ : فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتِ الثَّانِيَةُ ، فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتِ الثَّالِثَةُ ، وَكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَهُوَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْوُضُوءِ إِذَا انْتَبَهَ ، فَيَكُونُ لِكُلِّ عُقْدَةٍ شَيْءٌ يَحِلُّهَا ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْجَمْعِ أَنَّ الْعُقَدَ تَنْحَلُّ كُلُّهَا بِالصَّلَاةِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَهَارَةٍ ، كَمَنْ نَامَ مُتَمَكِّنًا ثُمَّ انْتَبَهَ فَصَلَّى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَذْكُرَ وَيَتَطَهَّرَ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُهُ فِي حَلِّ الْعُقَدِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ وَتَتَضَمَّنُ الذِّكْرَ . وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ : عُقَدُهُ كُلُّهَا إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى وُضُوءٍ فَظَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَالْمَعْنَى انْحَلَّتْ تَكْمِلَةُ عُقَدِهِ كُلِّهَا بِانْحِلَالِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ انْحِلَالُ الْعُقَدِ ، وَقَدْ زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : فَحُلُّوا عُقَدَ الشَّيْطَانِ وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ .
( فَأَصْبَحَ نَشِيطًا ) لِسُرُورِهِ بِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَمَا وُعِدَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَمَا زَالَ عَنْهُ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ ، ( طَيِّبَ النَّفْسِ ) لِمَا بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ هَذَا التَّصَرُّفِ الْحَسَنِ كَذَا قِيلَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ سِرًّا فِي طِيبِ النَّفْسِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرِ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ وَكَذَا عَكْسُهُ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا ﴾( سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ : الْآيَةُ 6 ) ، وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ - مَنْ قَامَ وَعَادَ إِلَى النَّوْمِ - لَا يَعُودُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِالْعُقَدِ الْمَذْكُورِ ثَانِيًا ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ وَيَذْكُرُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي مَنْ لَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنِ الْفَحْشَاءِ بَلْ يَفْعَلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْلِعَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ وَبَيْنَ الْمُصِرِّ ( وَإِلَّا ) بِأَنْ تَرَكَ الذِّكْرَ وَالْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ( أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ ) بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعْتَادَهُ أَوْ أَرَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ ، كَذَا قِيلَ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ ( كَسْلَانَ ) بِمَنْعِ الصَّرْفِ لِلْوَصْفِيَّةِ وَزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ ، لِبَقَاءِ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ وَشُؤْمِ تَفْرِيطِهِ وَظُفْرِ الشَّيْطَانِ بِهِ بِتَفْوِيتِهِ الْحَظَّ الْأَوْفَرَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، فَلَا يَكَادُ يَخِفُّ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَلَا غَيْرُهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ ، وَخُصَّ الْوُضُوءُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ ، وَإِلَّا فَالْجُنُبُ لَا يَحِلُّ عُقَدَهُ إِلَّا الْغُسْلُ ، وَفِي قِيَامِ التَّيَمُّمِ مَقَامُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِمَنْ سَاغَ لَهُ بَحْثٌ ، وَالْأَظْهَرُ إِجْزَاؤُهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْوُضُوءِ عَوْنًا كَبِيرًا . وعَلَى طَرْدِ النَّوْمِ لَا يَظْهَرُ مِثْلُهُ فِي التَّيَمُّمِ ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ : وَإِلَّا أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ دَخَلَ تَحْتَ مَنْ يُصْبِحُ خَبِيثًا كَسْلَانَ وَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ وَالْخِفَّةِ ، فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ مَثَلًا أَخَفَّ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُرْ أَصْلًا ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ الْمُخْلِصِ : فَإِنْ قَامَ فَصَلَّى حُلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهُنَّ ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا كَهَيْئَتِهَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الذَّمُّ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَقُمْ إِلَى صَلَاتِهِ وَضَيَّعَهَا ، أَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ أَوِ النَّافِلَةِ بِاللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ ، وَنَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كَمَا مَرَّ ، قَالَ : وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ إِضَافَةِ الْمَرْءِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَاهَةَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ ذَمًّا لِفِعْلِهِ ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الْخُبْثَ بِمَعْنَى فَسَادِ الدِّينِ ، وَوَصْفُ بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنْهُ وَتَنْفِيرًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَتَقْدِيرُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ ، وَكُلَّمَا نَهَى الْمُؤْمِنَ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى نَفْسِهِ نَهَى أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ ، وَقَدْ وَصَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْمُؤْمِنَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ وَصْفِنَا لَهُ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ التَّأَسِّي . وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَامِلٌ عَلَى الْوَصْفِ بِذَلِكَ كَالتَّنْفِيرِ وَالتَّحْذِيرِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ قَارِئَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ لَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ إِنْ حُمِلَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ وَالْقُرْبَ عَلَى الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ أَوْ عَكْسِهِ فَلَا إِشْكَالَ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ سِحْرِهِ إِيَّاهُ مَثَلًا أَنْ يُمَاسَّهُ ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ مُمَاسَّتِهِ أَنْ يَقْرَبَهُ بِسَرِقَةٍ أَوْ أَذًى فِي جَسَدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِنْ حُمِلَا عَلَى الْمَعْنَوِيَّيْنِ أَوِ الْحِسِّيَّيْنِ فَيُجَابُ بِادِّعَاءِ الْخُصُوصِ فِي عُمُومِ أَحَدِهِمَا ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ حَدِيثُ الْبَابِ كَمَا خَصَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقِيَامَ ، فَيَخُصُّ أَيْضًا بِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ .