بَاب جَامِعِ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ
وَأَمَّا الْحَجُّ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضٌ أَوْ لِأَنَّهُ رَآهُ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ أَوِ اخْتَصَرَهُ الرَّاوِي ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَدَخَلَ فِيهِ بَاقِي الْمَفْرُوضَاتِ بَلْ وَالْمَنْدُوبَاتِ ، كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَيَأْتِي رَدُّهُ ( قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ ) بِشَدِّ الطَّاءِ وَالْوَاوِ أَصْلُهُ تَتَطَوَّعُ فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الطَّاءِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَاهُمَا ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعِ يَجِبُ إِتْمَامُهُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لِأَنَّهُ نَفْيُ وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ وَلَا قَائِلَ بِوُجُوبِ التَّطَوُّعِ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ إِلَّا أَنْ تُشْرِعَ فِي تَطَوُّعٍ فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ . وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ مُغَالَطَةٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُنَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يُقَالُ فِيهِ عَلَيْكَ وَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَجِبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ إِلَّا إِنْ أَرَدْتَ أَنَّ تَطَّوَّعَ فَذَلِكَ لَكَ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَجِبُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ أَصْلًا . قَالَ فِي الْفَتْحِ : كَذَا قَالَ ، وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ دَائِرٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُتَّصِلٌ تَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ ، وَمَنْ قَالَ : مُنْقَطِعٌ احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ ، وَدَلِيلُهُ مَا لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ ثُمَّ يُفْطِرُ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَمَرَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَنْ تُفْطِرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَتْ فِيهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِتْمَامَ نصا فِي الصَّوْمِ وَقِيَاسًا فِي الْبَاقِي ، وَلَا يُرَدُّ الْحَجُّ لِأَنَّهُ امْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ ! انْتَهَى .
وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَأَمَّا أَمْرُهُ لِجُوَيْرِيَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صَامَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَاحْتَاجَ لَهَا ، وَأَمَّا فِعْلُهُ فَلَعَلَّهُ لِعُذْرٍ ، وَإِذَا احْتُمِلَ ذَلِكَ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ ؛ لِأَنَّ الْقِصَّتَيْنِ مِنْ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا عُمُومَ لَهَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ( سُورَةُ مُحَمَّدٍ : الْآيَةُ 33 ) ، وَفِي الْمُوَطَّأِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَصْبَحْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ فَأُهْدِيَتْ لَنَا شَاةٌ ، فَأَكَلْنَا ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ . ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ ) بِالرَّفْعِ عَطَفَ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ( قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهُ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ) فَيَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ الِاتِّصَالِ ، وَيُؤَيِّدُهُ الْآيَةُ ، أَوْ فَلَا يَلْزَمُكَ إِتْمَامُهُ إِذَا شَرَعْتَ فِيهِ عَلَى الِانْقِطَاعِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِي اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِفَرْضِيَّةِ الْإِتْمَامِ بَلْ بِوُجُوبِهِ ، وَاسْتِثْنَاءُ الْوَاجِبِ مِنَ الْفَرْضِ مُنْقَطِعٌ لِتَبَايُنِهِمَا ، وَأَيْضًا فَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ لِلْإِثْبَاتِ بَلْ مَسْكُوتٌ عَنْهُ .
( قَالَ ) الرَّاوِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ( وَذَكَرَ ) لَهُ ( رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَشْيَاءَ أُجْمِلَتْ فِيهَا بَيَانُ نَصْبِ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفَسَّرْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ . ( فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ، قَالَ ) طَلْحَةُ ( فَأَدْبَرَ ) مِنَ الْإِدْبَارِ أَيْ : تَوَلَّى ( الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ ) جُمْلَةً حَالِيَّةً ( وَاللَّهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ : وَالَّذِي أَكْرَمَكَ ، وَفِيهِ الْحَلِفُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَلَا ضَرُورَةٍ ، وَجَوَازُ الْحَلِفِ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ ( لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ ) شَيْئًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفْلَحَ الرَّجُلُ أَيْ : فَازَ ، قَالَ تَعَالَى : فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 8 ) ، وَالْفَلَاحُ أَيْضًا الْبَقَاءُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ شَرْعًا الْبَقَاءُ فِي الْجَنَّةِ ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ ( إِنْ صَدَقَ ) فِي كَلَامِهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَصْدُقْ فِيمَا الْتَزَمَ لَا يُفْلِحُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَلَا الْمَنْهِيَّاتِ ؟ وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ فَرَائِضِ النَّهْيِ ، وَتَعَجَّبَ الْحَافِظُ مِنْهُ لِجَزْمِهِ بِأَنَّ السَّائِلَ ضِمَامٌ ، وَقَدْ وَفَدَ سَنَةَ خَمْسٍ ، وَقِيلَ : بَعْدَ ذَلِكَ ؛ وَأَكْثَرُ الْمَنْهِيَّاتِ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ : فَأَخْبَرَهُ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ عِيَاضٌ قَائِلًا : إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَتَعَقَّبَهُ الْأُبِّيُّ بِرُجُوعِ لَفْظِ شَرَائِعَ إِلَى مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَذْكُورَ عَقِبَ خَاصٍّ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ الْخَاصِّ عَلَى الصَّحِيحِ ، انْتَهَى .
وَأَقَرَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْحَلِفِ مَعَ وُرُودِ النَّكِيرِ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ خَيْرًا ؛ قَالَ تَعَالَى : وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ ( سُورَةُ النُّورِ : الْآيَةُ 22 ) ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُطَّ عَنْ غَرِيمِهِ : تَأَلَّى عَلَى اللَّهِ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سُومِحَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ . ا هـ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ ، فَإِنْ قِيلَ : أَمَّا فَلَاحُهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ فَوَاضِحٌ ، وَأَمَّا بِأَنْ لَا يَزِيدَ فَكَيْفَ يَصِحُّ ؟ وَلِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيغَ التَّمَادِي عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ، أَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْفَلَاحَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا زَادَ لَا يُفْلِحُ لِأَنَّهُ إِذَا أَفْلَحَ بِالْوَاجِبِ ففلاحه بِالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ أَوْلَى ، وَبِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى غَيْرِ تَارِكِ الْفَرَائِضِ فَهُوَ مُفْلِحٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرُ فَلَاحًا مِنْهُ ، وَرَدَّهُ الْأُبِّيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِشْكَالُ فِي ثُبُوتِ الْفَلَاحِ مَعَ تَرْكِ السُّنَنِ حَتَّى يُجَابَ بِأَنَّهُ حَاصِلٌ إِذْ لَيْسَ بِعَاصٍ ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي أَنَّ ثُبُوتَهُ مَعَ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْفَرْضِ تَسْوِيغٌ لِتَرْكِ السُّنَنِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمْ يُسَوِّغْ لَهُ تَرْكَهَا دَائِمًا وَلَكِنْ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ اكْتَفَى مِنْهُ بِالْوَاجِبَاتِ ، وَأَخَّرَهُ حَتَّى يَأْنَسَ ، وَيَنْشَرِحَ صَدْرُهُ ، وَيَحْرِصَ عَلَى الْخَيْرِ ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْمَنْدُوبَاتُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّصْدِيقِ وَالْقَبُولِ ، أَيْ : قَبِلْتُ كَلَامَهُ قَبُولًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّؤَالِ وَلَا نُقْصَانَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْقَبُولِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : يَحْتَمِلُ تَعَلُّقُ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِالْإِبْلَاغِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَافِدَ قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَهُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ لَا أُغَيِّرُ صِفَةَ الْفَرْضِ كَمَنْ يُنْقِصُ الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَةً أَوْ يَزِيدُ الْمَغْرِبَ ، وَرَدَّ الْحَافِظُ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يَحْتَمِلُ لَا أَزِيدُ وُجُوبًا وَإِنْ زَادَ تَطَوُّعًا أَوْ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِ غَيْرِهِ أَوْ فِي الْبَلَاغِ ، قَالَ : وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ ، وَقَدْ تَابَعَهُ الرُّوَاةُ ، وَلَعَلَّ إِسْمَاعِيلَ نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى ، وَلَوْ صَحَّ احْتَمَلَ الْمَعْنَى لَا أَتَطَوَّعُ بِشَيْءٍ الْتَزَمَهُ وَاجِبًا ، انْتَهَى . هَذَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِثْلُهُ لَكِنْ بِحَذْفِ أَوْ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ ، أَوْ بِأَنَّهَا كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْحَلِفُ كَمَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِمْ عَقْرى وَحَلْقى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَوْ فِيهِ إِضْمَارُ اسْمِ الرَّبِّ كَأَنَّهُ قَالَ : وَرَبُّ أَبِيهِ ، وَقِيلَ : هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ تعظيم غير اللَّهِ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ .
وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ : وَاللَّهِ فَقُصِّرَتِ اللَّامَانِ ، وَأَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ : إِنَّهُ يَخْرِمُ الثِّقَةَ بِالرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ ، وَغَفَلَ الْقَرَافِيُّ فَادَّعَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ : وَأَبِيهِ ، لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ الْجَوَابَ فَعَدَلَ إِلَى رَدِّ الْخَبَرِ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ ، وَأَقْوَى الْأَجْوِبَةِ الْأَوَّلَانِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : وَأَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّرْغِيبِ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنْ أَرَادَ قَوْلَهُ : إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ؛ كَانَ تَرْغِيبًا فِي النَّافِلَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ؛ كَانَ تَرْغِيبًا فِي الْخَمْسِ ، انْتَهَى . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَهُمَا مَعًا فَالتَّرْجَمَةُ مُطْلَقَةٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ .