بَاب مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا فِي الْأَرْضِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فِي مَقَامِي ، أَوْ بِاخْتِلَافِ الرُّؤْيَةِ . ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ ) تُمْتَحَنُونَ وَتُخْتَبَرُونَ ( فِي الْقُبُورِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُقَالُ إِنَّهُ أُعْلِمَ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، قَالَ : وَلَيْسَ الِاخْتِبَارُ فِي الْقَبْرِ بِمَنْزِلَةِ التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إِظْهَارُ الْعَمَلِ ، وَإِعْلَامٌ بِالْمَآلِ وَالْعَاقِبَةِ كَاخْتِبَارِ الْحِسَابِ ، لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالتَّكْلِيفَ قَدِ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ ( مِثْلَ ) بِلَا تَنْوِينٍ ( أَوْ قَرِيبًا ) بِالتَّنْوِينِ ( مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ) الْكَذَّابِ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْفِتْنَتَيْنِ الشِّدَّةُ وَالْهَوْلُ وَالْهُمُومُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : شَبَّهَهَا بِهَا لِشَدَّتِهَا ، وَعِظَمِ الْمِحْنَةِ بِهَا ، وَقِلَّةِ الثَّبَاتِ مَعَهَا .
قَالَتْ فَاطِمَةُ : ( لَا أَدْرِي أَيَّتُهُمَا ) بِتَحْتِيَّةٍ وَفَوْقِيَّةٍ ؛ أَيْ : لَفْظُ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا ( قَالَتْ أَسْمَاءُ ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ بِتَرْكِ تَنْوِينِ مِثْلَ وَتَنْوِينِ قَرِيبًا . وَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَهُ مِثْلَ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، فَحُذِفَ مَا أُضِيفَ إِلَى مِثْلَ ، وَتُرِكَ عَلَى هَيْئَتِهِ قَبْلَ الْحَذْفِ ، وَجَازَ الْحَذْفُ لِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ : بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ ، تَقْدِيرُهُ : بَيْنَ ذِرَاعَيِ الْأَسَدِ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ . وَفِي رِوَايَةٍ : بِتَرْكِ التَّنْوِينِ فِي قَرِيبًا أَيْضًا ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى فِتْنَةٍ أَيْضًا ، وَإِظْهَارُ حَرْفِ الْجَرِّ بين المضاف وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ جَائِزٌ عِنْدَ قَوْمٍ ، نَقَلَهُ الْحَافِظُ عَنِ ابْنِ مَالِكٍ .
وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ : قَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ آخِرَ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَلَمَّا سَكَتَ ضَجِيجُهُمْ قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي : بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ، مَاذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِ كَلَامِهِ ؟ قَالَ : قَالَ : قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَيْضًا أَنَّهُ لَغَطَ نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَإِنَّهَا ذَهَبَتْ لِتُسْكِتَهُنَّ ، فَاسْتَفْهَمَتْ عَائِشَةُ عَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ الْحَافِظُ : فَيُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهَا احْتَاجَتْ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ مَرَّتَيْنِ ، وَأَنَّهَا لَمَّا حَدَّثَتْ فَاطِمَةَ لَمْ تُبَيِّنْ لَهَا الِاسْتِفْهَامَ الثَّانِيَ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ الَّذِي اسْتَفْهَمَتْ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْآنِ ( يُؤْتَى أَحَدُكُمْ ) قِي قَبْرِهِ ، وَالْآتِي مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا : الْمُنْكَرُ ، وَالْآخَرِ : النَّكِيرُ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ ، لَكِنْ قَالَ : يُقَالُ لَهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ : أَعْيُنُهُمَا مِثْلُ قُدُورِ النُّحَاسِ ، وَأَنْيَابُهُمَا مِثْلُ صَيَاصِي الْبَقَرِ ، وَأَصْوَاتُهُمَا مِثْلُ الرَّعْدِ ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : يَحْفِرَانِ بِأَنْيَابِهِمَا وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارِهِمَا مَعَهُمَا مِرْزَبَّةٌ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ مِنًى لَمْ يُقِلُّوهَا .
وَأَوْرَدَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ حَدِيثًا فِيهِ أَنَّ فِيهِمْ رُومَانُ وَهُوَ كَبِيرُهُمْ ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ اسْمَ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُذْنِبَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ، وَاسْمُ اللَّذَيْنِ يَسْأَلَانِ الْمُطِيعَ بِشْرٌ وَبَشِيرٌ ( فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( بِهَذَا الرَّجُلِ ) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَمْ يَقُلْ : بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لِئَلَّا يَصِيرَ تَلْقِينًا لِحُجَّتِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُثِّلَ لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ سُمِّيَ لَهُ ، انْتَهَى . أَيْ : لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَنَسٍ : فَيَقُولَانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَعَدَلَ عَنِ خطاب الْجَمْعِ فِي : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ إِلَى الْمُفْرَدِ فِي : مَا عِلْمُكَ ؛ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ ؛ أَيْ : كُلُّ وَاحِدٍ يُقَالُ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْعِلْمِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، وَكَذَا الْجَوَابُ بِخِلَافِ الْفِتْنَةِ . ( فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ ) أَيِ : الْمُصَدِّقُ بِنُبُوَّتِهِ ( لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ ) الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ ( قَالَتْ أَسْمَاءُ ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ، بَيَّنَتْ فَاطِمَةُ أَنَّهَا شَكَّتْ هَلْ قَالَتِ : الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ ؟ قَالَ الْبَاجِيُّ : وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُؤْمِنُ لِقَوْلِهِ : فَآمَنَّا دُونَ أَيْقَنَّا ، وَلِقَوْلِهِ : لَمُؤْمِنًا ( فَيَقُولُ : هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ ( وَالْهُدَى ) الدَّلَالَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْبُغْيَةِ ، ( فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا ) بِحَذْفِ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ ؛ أَيْ : قَبْلِنَا نُبُوَّتَهُ مُصَدِّقِينَ مُتَّبِعِينَ ( فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ ) حَالَ كَوْنِكَ ( صَالِحًا ) مُنْتَفِعًا بِأَعْمَالِكَ ، إِذِ الصَّلَاحُ كَوْنُ الشَّيْءِ فِي حَدِّ الِانْتِفَاعِ ( قَدْ عَلِمْنَا إِنْ ) بِالْكَسْرِ ؛ أَيْ : لِلشَّأْنِ ( كُنْتُ لَمُؤْمِنًا ) وَفِي رِوَايَةِ الْأُوَيْسِيِّ : لَمُوقِنًا بِالْقَافِ وَاللَّامِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ إِنِ الْمُخَفَّفَةِ وَبَيْنَ النَّافِيَةِ ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ إِنَّ بِمَعْنَى مَا ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إِلَّا ؛ أَيْ : مَا كُنْتُ إِلَّا مُؤْمِنًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ ( سُورَةُ الطَّارِقِ : الْآيَةُ 4 ) أَيْ : مَا كَلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فَتْحَ هَمْزَةِ أَنْ عَلَى جَعْلِهَا مَصْدَرِيَّةً ؛ أَيْ : عِلْمُنَا كَوْنَكَ مُؤْمِنًا بِهِ ، وَرَدَّهُ بِدُخُولِ اللَّامِ ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الْمَصَابِيحِ بِأَنَّ اللَّامَ إِنَّمَا تُمْنَعُ إِذَا جُعِلَتْ لَامَ ابْتِدَاءٍ عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ وَمَنْ تَابَعَهُ ، أَمَّا عَلَى رَأْيِ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ جِنِّيٍّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلِابْتِدَاءِ اجْتُلِبَتْ لِلْفَرْقِ ، فَيَسُوغُ الْفَتْحُ بَلْ يَتَعَيَّنُ لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ .
قَالَ الْبَاجِيُّ : أَرَادَ بِالنَّوْمِ الْعَوْدَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ، سَمَّاهُ نَوْمًا لِمَا صَحِبَهُ مِنَ الرَّاحَةِ وَصَلَاحِ الْحَالِ ، انْتَهَى . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ نَوْمَةَ عَرُوسٍ ، فَيَكُونُ فِي أَحْلَى نَوْمَةٍ نَامَهَا أَحَدٌ حَتَّى يُبْعَثَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَيُقَالُ لَهُ : نَمْ ، فَيَنَامُ نَوْمَةَ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : فَيُقَالُ : انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَلِابْنِ حِبَّانَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : وَيُقَالُ لَهُ : عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ ، وَعَلَيْهِ مِتَّ ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ قَتَادَةَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَيُمْلَأُ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا ، وَيُنَوَّرُ لَهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ عَبْدِي ، أَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا فِي الْجَنَّةِ ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا ، وَيُفْسَحُ لَهُ مُدَّ بَصَرِهِ زَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيَزْدَادُ غِبْطَةً وَسُرُورًا ، وَيُعَادُ الْجِلْدُ إِلَى مَا بَدَا مِنْهُ ، وَتُجْعَلُ رُوحُهُ فِي نَسَمَةِ طَائِرٍ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ . ( وَأَمَّا الْمُنَافِقُ ) مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ بِنُبُوَّتِهِ ( أَوِ الْمُرْتَابُ ) الشَّاكُّ قَالَتْ فَاطِمَةُ : ( لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ : إِنَّهُمْ كَانُوا يُرَاعُونَ الْأَلْفَاظَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ الْإِخْبَارَ بِالْمَعَانِي فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْأَلْفَاظِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ ( فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقَلْتُهُ ) ، زَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : فَيَقُولَانِ : لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ : لَا دَرَيْتَ وَلَا أَفْلَحْتَ ، وَيَضْرِبَانِهِ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا ، وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ : وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ دَابَّةٌ فِي قَبْرِهِ مَعَهَا سَوْطٌ تَمْرَتُهُ جَمْرَةٌ مِثْلُ عُرْفِ الْبَعِيرِ تَضْرِبُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، لَا تَسْمَعُ صَوْتَهُ فَتَرْحَمَهُ ، وَزَادَ فِي أَحَادِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ : ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا مَنْزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ ، وَأَمَّا إِذْ كَفَرْتَ فَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَكَ هَذَا وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ ، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيَزْدَادُ حَسْرَةً وَثُبُورًا ، وَيَضِيقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ ، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ : فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ : أَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسُمُومِهَا .
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ ذَمُّ التَّقْلِيدِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْعِلْمِ التَّامِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ مَا حُكِيَ عَنْ حَالِ الْمُجِيبِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ تَقْلِيدٌ مُعْتَبَرٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَا وَهَنَ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَلَا شَكَّ ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ كَوْنَهُ عَالِمًا وَلَوْ شَعَرَ بِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ كَوْنُ النَّاسِ قَالُوا : شَيْئًا فَقَالَهُ لَمْ يَحِلَّ اعْتِقَادُهُ وَرَجَعَ شَكًّا ، فَعَلَى هَذَا لَا يَقُولُ الْمُعْتَقِدُ الْمُصَمِّمُ يَوْمَئِذٍ : سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ ؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ قَدْ قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ ، بَلْ عِبَارَتُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِثْلُهَا هُنَا مِنَ التَّصْمِيمِ ، وَبِالْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُصَمِّمِ أَسْبَابٌ حَمَلَتْهُ عَلَى التَّصْمِيمِ غير مُجَرَّدِ الْقَوْلِ ، وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ كَمَا نَقُولُ فِي الْعُلُومِ الْعَادِيَّةِ : أَسْبَابُهَا لَا تَنْضَبِطُ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ ، عَنْ هِشَامٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .