بَاب مَا جَاءَ فِي الْاسْتِسْقَاءِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَتَقَطَّعَتْ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُطِرْنَا مِنْ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَهَدَّمَتْ الْبُيُوتُ ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ ، وَهَلَكَتْ الْمَوَاشِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ وَالْآكَامِ ، وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ، وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ ، قَالَ : فَانْجَابَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ . قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ إِذَا رَجَعَ ، قَالَ مَالِكٌ : هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ . 450 451 - ( مَالِكٌ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمَدَنِيِّ ، صَدُوقٌ يُخْطِئُ ، مَاتَ فِي حُدُودِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَفِي التَّمْهِيدِ : صَالِحُ الْحَدِيثِ وَهُوَ فِي عِدَادِ الشُّيُوخِ ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، لِمَالِكٍ عَنْهُ حَدِيثَانِ .
( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ : مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ هَذَا الْمُبْهَمَ بِأَنَّهُ كَعْبُ الْمَذْكُورُ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مُرْسَلًا : مَا يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِأَنَّهُ خَارِجَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ : يَا كَعْبُ ، حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا ، فَفِي هَذَا أَنَّهُ غَيْرُ كَعْبٍ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْلَ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ : فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا بَعْدَ أَنْ سَأَلَ الرَّجُلُ أَوْ نُسِبَ إِلَيْهِمْ لِمُوَافَقَةِ سُؤَالِ السَّائِلِ مَا كَانُوا يُرِيدُونَهُ مِنْ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلِأَحْمَدَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ : إِذْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ يُرَجِّحُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَهْمٌ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى قَبْلَ إِسْلَامِهِ ، وَيَنْفِي زَعْمَهُ قَوْلُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَيْ : لِأَنَّهُ لَا يَقُولُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ .
( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَهُوَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي ) لِعَدَمِ وُجُودِ مَا تَعِيشُ بِهِ مِنَ الْأَقْوَاتِ لِحَبْسِ الْمَطَرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الْأَمْوَالُ ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْمَوَاشِي لَا الصَّامِتُ ، وَفِي لَفْظِ : الْكُرَاعُ - بِضَمِّ الْكَافِ - الْخَيْلُ وَغَيْرُهَا ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ ، هَلَكَ الْعِيَالُ ، هَلَكَ النَّاسُ ، وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ . ( وَتَقَطَّعَتْ ) بِفَوْقِيَّةٍ وَشَدِّ الطَّاءِ ( السُّبُلُ ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَبِيلٍ ، الطُّرُقُ ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ ضَعُفَتْ لِقِلَّةِ الْقُوتِ عَنِ السَّفَرِ ، أَوْ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ فِي طَرِيقِهَا مِنَ الْكَلَأِ مَا يُقِيمُ أَوْدَهَا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ نَفَادُ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الطَّعَامِ أَوْ قِلَّتِهِ فَلَا يَجِدُونَ مَا يَحْمِلُونَهُ إِلَى الْأَسْوَاقِ .
وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ : قَحَطَ الْمَطَرُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ ، وَحُكِيَ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ . وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ : وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ ، كِنَايَةً عَنْ يَبْسِ وَرَقِهَا لِعَدَمِ شُرْبِهَا الْمَاءَ أَوْ لِانْتِثَارِهِ فَيَصِيرُ الشَّجَرُ أَعْوَادًا بِلَا وَرَقٍ . وَلِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ : وَأَمْحَلَتِ الْأَرْضُ ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَهَا كُلَّهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ رَوَى شَيْئًا مِمَّا قَالَهُ بِالْمَعْنَى ، فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَةٌ فَلَا يَكُونُ غَلَطًا كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَغَيْرُهُ .
( فَادْعُ اللَّهَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : يُغِثْنَا ، وَفِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ : أَنْ يَسْقِيَنَا ، وَفِي أُخْرَى : فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ . ( فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَعْفَرٍ : فَرَفَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ( فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ) قَالَ أَنَسٌ : وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سِلَعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ ، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلَ التُّرْسِ ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا وَفِي رِوَايَةٍ : فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا وَفِي مُسْلِمٍ : فَأُمْطِرْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ : حَتَّى أَهَمَّ الشَّابُّ الْقَرِيبُ الدَّارِ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ ( قَالَ : فَجَاءَ ) رَجُلٌ ( إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا تَكَرَّرَتْ دَلَّتْ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَقَدْ قَالَ شَرِيكٌ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ : سَأَلْتُ أَنَسًا أَهْوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالتَّغَايُرِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ وَقَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَشُكُّ فِيهِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَجَاءَ الرَّجُلُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمِثْلُهُ لِأَبِي عِوَانَةَ ، عَنْ حَفْصٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظٍ : فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْجَزْمُ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ ، فَلَعَلَّ أَنَسًا كَانَ يَتَرَدَّدُ تَارَةً ، وَيَجْزِمُ أُخْرَى بِاعْتِبَارِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ .
( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ ) مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ ( وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ) لِتَعَذُّرِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ فَهُوَ سَبَبٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ : هَلَكَتِ الْأَمْوَالُ ؛ أَيْ : لِكَثْرَةِ الْمَاءِ انْقَطَعَ الْمَرْعَى . ( وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي ) مِنْ عَدَمِ الْمَرْعَى أَوْ لِعَدَمِ مَا يُكِنُّهَا مِنَ الْمَطَرِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ : وَاحْتَبَسَ الرُّكْبَانُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ : هُدِمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ ) أَيْ : يَا اللَّهُ أَنْزِلِ الْمَطَرَ ( ظُهُورَ الْجِبَالِ ) أَيْ : عَلَى ظُهُورٍ ؛ فَنُصِبَ تَوَسُّعًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقِنِّيسِيُّ ، والأويسي بِلَفْظٍ عَلَى ( وَالْإِكَامَ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَتُمَدُّ ؛ جَمْعُ أَكَمَةٍ بِفَتَحَاتٍ ، قَالَ ابْنُ الْبَرْقِيِّ : وَهُوَ التُّرَابُ الْمُجْتَمِعُ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْكُدْيَةِ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : هِيَ الَّتِي مِنْ حَجَرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ الْهَضْبَةُ الضَّخْمَةُ ، وَقِيلَ : الْجَبَلُ الصَّغِيرُ ، وَقِيلَ : مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ ، وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ : الْأَكَمَةُ أَعْلَى مِنَ الرَّابِيَةِ ، ( وَبُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ) أَيْ : مَا يَتَحَصَّلُ فِيهِ الْمَاءُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ ، قَالُوا : وَلَمْ يُسْمَعْ أَفْعَلَةَ جَمْعِ فَاعِلٍ إِلَّا أَوْدِيَةً جَمْعُ وَادٍ وَفِيهِ نَظَرٌ .
( وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ ) جَمْعُ مَنْبَتٍ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ؛ أَيْ : مَا حَوْلَهَا مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَنْبُتَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْمَنْبَتِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْمَطَرُ ، زَادَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ : وَرُءُوسَ الْجِبَالِ ، وفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ : فَرَفَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ( قَالَ ) أَنَسٌ : ( فَانْجَابَتْ ) بِجِيمٍ وَمُوَحَّدَةٍ ( عَنِ الْمَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ ) أَيْ : خَرَجَتْ عَنْهَا كَمَا يُخْرَجُ الثَّوْبُ عَنْ لَابِسِهِ ، وَفِي الْمُنْتَقَى : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ : مَعْنَاهُ تَدَوَّرَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ كَمَا يَدُورُ جَيْبُ الْقَمِيصِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَعْنِي تَقَطَّعَتْ عَنْهَا كَمَا يُقْطَّعُ الثَّوْبُ الْخَلَقُ . انْتَهَى .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَكَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَزَّقَ السَّحَابُ حَتَّى مَا نَرَى مِنْهُ شَيْئًا ؛ أَيْ : فِي الْمَدِينَةِ ، وَلِمُسْلِمٍ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءَيْنِ يُطْوَى - بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ - وَقَدْ يَمُدُّ جَمْعَ مُلَاءَةٍ ثَوْبٌ مَعْرُوفٌ . وَلِلْبُخَارِيِّ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَقْتَطِعُ يَمِينًا وَشِمَالًا ، يُمْطَرُونَ ؛ أَيْ : أَهْلِ النَّوَاحِي وَلَا يُمْطَرُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ . وَلَهُ أَيْضًا : فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ الْمَدِينَةِ يُرِيهِمُ اللَّهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ وَإِجَابَةَ دَعْوَتِهِ .
وَلَهُ أَيْضًا : فَتَكَشَّطَتْ فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَلَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةً ، وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ بَقَاءَ الْمَطَرِ فِيمَا سِوَاهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعِ الْإِهْلَاكُ وَلَا الْقَطْعُ وَهُوَ خِلَافٌ مَطْلُوبُ السَّائِلِ بِقَوْلِهِ : تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ فِيمَا حَوْلَهَا مِنْ أَكَامٍ وَظِرَابٍ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ لَا فِي الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكَةِ وَلَا الْبُيُوتِ ، وَوُقُوعُ الْمَطَرِ فِي بُقْعَةٍ دُونَ بُقْعَةٍ كَثِيرٌ وَلَوْ كَانَتْ تُجَاوِرُهَا ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوجَدَ لِلْمَوَاشِي أَمَاكِنٌ تُكِنُّهَا وَتُرْعَى فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَضُرُّهَا ذَلِكَ الْمَطَرُ . وَفِيهِ الْأَدَبُ فِي الدُّعَاءِ حَيْثُ لَمْ يَدْعُ بِرَفْعِ الْمَطَرِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى اسْتِمْرَارِهِ ، فَاحْتَرَزَ فِيهِ بِمَا يَقْضِي رَفْعَ الضَّرَرِ وَإِبْقَاءِ النَّفْعِ ، وَمِنْهُ اسْتُنْبِطَ أَنَّ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسْخِطَهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِيهَا ، بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ رَفْعَ الْعَارِضِ ، وَإِبْقَاءِ النِّعْمَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ الدُّعَاءَ يَرْفَعُ الضُّرَّ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَإِنْ كَانَ مَقَامُ الْأَفْضَلِ التَّفْوِيضَ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَالِمًا بِمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْجَدْبِ وَآخِرُ السُّؤَالِ تَفْوِيضًا لِرَبِّهِ ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ بِمَا سَأَلُوهُ بَيَانًا لِلْجِوَاز وَتَقْرِيرًا لِسُنَّةِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ ، وَفِيهِ قِيَامُ الْوَاحِدِ بِأَمْرِ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَاشِرْ ذَلِكَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ لِسُلُوكِهِمُ الْأَدَبَ بِالتَّسْلِيمِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاءِ بِالسُّؤَالِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَنَسٍ : كَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنَ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلُهُ ، وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فِي إِجَابَةِ دُعَائِهِ عَقِبَهُ أَوْ مَعَهُ ابْتِدَاءً فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَانْتِهَاءً فِي الِاسْتِصْحَاءِ وَامْتِثَالُ السَّحَابِ أَمْرَهُ بِمُجَرَّدِ الْإِشَارَةِ ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ عَنْ شُيُوخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَإِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ شَرِيكٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ نَحْوُهُ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، ( قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَفِي بَيْتِهِ إِذَا رَجَعَ قَالَ مَالِكٌ ) أَعَادَهُ لِيَفْصِلَ بَيْنَ التَّصْوِيرِ وَالْحُكْمِ ( هُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ ) بِالْفَتْحِ فُسْحَةٌ ( إِنْ شَاءَ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ ) إِذَنْ شَأْنُ النَّوَافِلِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .