بَاب الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ
كِتَابُ الْقُرْآنِ 1 - بَاب الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ 470 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ بِعِلَاقَتِهِ وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَحُمِلَ فِي خَبِيئَتِهِ وَلَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ ؛ لِأَنْ يَكُونَ فِي يَدَيْ الَّذِي يَحْمِلُهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُ بِهِ الْمُصْحَفَ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ إِكْرَامًا لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمًا لَهُ . قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ﴾إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي عَبَسَ وَتَوَلَّى قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴾مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ .
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾15 - كِتَابُ الْقُرْآنِ 1 - بَابُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَنْ مَسَّ الْقُرْآنَ 468 470 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ( بْنِ حَزْمٍ : أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ) بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ الْأَنْصَارِيِّ ، شَهِدَ الْخَنْدَقَ فَمَا بَعْدَهَا ، وَكَانَ عَامِلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَجْرَانَ ، مَاتَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، وَقِيلَ : فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَهُوَ وَهْمٌ : ( أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ ) أَيْ مُتَوَضِّئٌ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : هَذَا أَصْلٌ فِي كِتَابَةِ الْعِلْمِ وَتَحْصِينِهِ فِي الْكُتُبِ ، وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاوَلَةِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ وَجْهٍ صَالِحٍ ، وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ ، مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِهَا فِي شُهْرَتِهَا عَنِ الْإِسْنَادِ ; لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ فِي مَجِيئِهِ لِتَلَقِّي النَّاسِ لَهُ بِالْقَبُولِ ، وَلَا يَصِحُّ عَلَيْهِمْ تَلَقِّي مَا لَا يَصِحُّ ، انْتَهَى . وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى إِرْسَالِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ فِيهِ أَحْكَامٌ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، مَوْصُولًا بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَنَقَصَ عَمَّا ذَكَرْنَا .
( قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يَحْمِلُ أَحَدٌ الْمُصْحَفَ بِعِلَاقَتِهِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ : حَمَالَتِهِ الَّتِي يُحْمَلُ بِهَا ، ( وَلَا عَلَى وِسَادَةٍ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ ) ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ( وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَحُمِلَ فِي خَبِيئَتِهِ ) جِلْدِهِ الَّذِي يُخَبَّأُ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، فَقِيَاسُهُ مَنْعُهُ بِالْعِلَاقَةِ وَالْوِسَادَةِ إِذْ لَا فَارِقَ ، ( وَلَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ لَأَنْ ) أَيْ لَيْسَتْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ لِأَجْلِ أَنْ ( يَكُونَ فِي يَدَيِ الَّذِي يَحْمِلُهُ شَيْءٌ يُدَنِّسُ بِهِ الْمُصْحَفَ ) ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَازَ إِذَا كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ لِانْتِفَاءِ الْمَعْلُولِ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ ، ( وَلَكِنْ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ( لِمَنْ يَحْمِلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ ؛ إِكْرَامًا لِلْقُرْآنِ وَتَعْظِيمًا لَهُ ) ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَنْ فِي يَدَيْهِ دَنَسٌ وَمَنْ لَا ، ( قَالَ مَالِكٌ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ) الَّتِي هِيَ : ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ﴾إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي عَبَسَ ) : تَطْلُبُ وَجْهَهُ ، ( وَتَوَلَّى ) : أَعْرَضَ ، وَهِيَ ( قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كَلَّا ) : لَا تَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ( إِنَّهَا ) : أَيِ السُّورَةَ أَوِ الْآيَاتِ ( تَذْكِرَةٌ ) : عِظَةٌ لِلْخَلْقِ ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾ : حَفِظَ ذَلِكَ فَاتَّعَظَ بِهِ فِي صُحُفٍ : خَبَرٌ ثَانٍ ; لِأَنَّهَا وَمَا قَبْلَهُ اعْتِرَاضٌ ( مُكَرَّمَةٍ ) : عِنْدَ اللَّهِ ( مَرْفُوعَةٍ ) : فِي السَّمَاءِ ( مُطَهَّرَةٍ ) : مُنَزَّهَةٍ عَنْ مَسِّ الشَّيَاطِينِ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ : كَتَبَةٍ يَنْسَخُونَهَا مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كِرَامٍ بَرَرَةٍ : مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ . قَالَ الْبَاجِيُّ : ذَهَبَ مَالِكٌ فِي تَأْوِيلِ آيَةِ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ ( سُورَةُ الْوَاقِعَةِ : الْآيَةُ : 79 ) إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَصَاحِفُ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ ، وَأَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ; لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ خِلَافَهُ ، وَقَدْ وُجِدَ مَنْ يَمَسُّهُ غَيْرَ طَاهِرٍ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّهْيُ ، قَالَ : وَأَدْخَلَ مَالِكٌ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَيْسَ يَقْتَضِي تَأْوِيلَهُ لَهَا بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ أَوَّلَ الْبَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِمَسِّ الْقُرْآنِ ، وَأَدْخَلَ فِي آخِرِهِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مُخَالِفُهُ ، فَأَتَى بِهِ وَبَيَّنَ وَجْهَ ضَعْفِهِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَعْنَى الِاحْتِجَاجِ لِمَذْهَبِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ كَرِيمٌ ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾، فَعَظَّمَهُ ، وَالْقُرْآنُ الْمَكْنُونُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ هُوَ الْمَكْتُوبُ فِي مَصَاحِفِنَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَثِلَ فِيهَا مَا وَصَفَ اللَّهُ الْقُرْآنَ بِهِ ، انْتَهَى .