بَاب مَا جَاءَ فِي تَحْزِيبِ الْقُرْآنِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ جَالِسَيْنِ فَدَعَا مُحَمَّدٌ رَجُلًا فَقَالَ : أَخْبِرْنِي بِالَّذِي سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ تَرَى فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي سَبْعٍ ؟ فَقَالَ زَيْدٌ : حَسَنٌ ، وَلَأَنْ أَقْرَأَهُ فِي نِصْفٍ أَوْ عَشْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ وَسَلْنِي لِمَ ذَاكَ ؟ قَالَ : فَإِنِّي أَسْأَلُكَ ، قَالَ زَيْدٌ : لِكَيْ أَتَدَبَّرَهُ وَأَقِفَ عَلَيْهِ . 471 473 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ ، ابْنِ مُنْقِذٍ الْأَنْصَارِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٍ ، ثَبْتٍ ، فَقِيهٍ ، ( جَالِسِينَ فَدَعَا مُحَمَّدٌ رَجُلًا فَقَالَ : أَخْبِرْنِي بِالَّذِي سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ) بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ لَوْذَانَ الْأَنْصَارِيَّ النَّجَّارِيَّ ، صَحَابِيٌّ كَتَبَ الْوَحْيَ ، قَالَ مَسْرُوقٌ : كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ . ( فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ تَرَى فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي سَبْعٍ ؟ فَقَالَ زَيْدٌ : حَسَنٌ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، ( وَلَأَنْ أَقْرَأَهُ فِي نِصْفٍ ) مِنَ الشَّهْرِ ( أَوْ عَشْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ بُكَيْرٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَأَنْ أَقْرَأَهُ فِي عِشْرِينَ أَوْ نِصْفِ شَهْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ .
وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ( وَسَلْنِي لَمْ ذَاكَ ؟ قَالَ : فَإِنِّي أَسْأَلُكَ ، قَالَ زَيْدٌ : لِكَيْ أَتَدَبَّرَهُ وَأَقِفَ عَلَيْهِ ) وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ( سُورَةُ ص : الْآيَةُ 29 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ( سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ : الْآيَةُ 4 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 106 ) ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ . وَقَالَ : لَا يُخْتَمُ الْقُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ . وَقَالَ حَمْزَةُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ ؛ إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ ، قَالَ : لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ أَتَدَبَّرُهَا وَأُرَتِّلُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ حَدْرًا كَمَا تَقُولُ ، وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْرَأْ مَا تَسْمَعُهُ أُذُنُكَ وَيَفْهَمُهُ قَلْبُكَ .
وَسُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ رَجُلَيْنِ قَرَأَ أَحَدُهُمَا الْبَقَرَةَ وَقَرَأَ الْآخَرُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، فَكَانَ رُكُوعُهُمَا وَسُجُودُهُمَا وَجُلُوسُهُمَا سَوَاءً ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 106 ) قَالَ الْبَاجِيُّ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَفْضِيلِ التَّرْتِيلِ ، وَكَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فَيُرَتِّلُهَا حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ : مِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا حَدَرَ كَانَ أَخَفَّ عَلَيْهِ ، وَإِذَا رَتَّلَ أَخْطَأَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْحَدْرَ ، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَخِفُّ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُلَازَمَةُ مَا يُوَافِقُ طَبْعَهُ وَيَخِفُّ عَلَيْهِ ، فَرُبَّمَا تَكَلَّفَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَقْطَعُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ أَوِ الْإِكْثَارِ مِنْهَا فَلَا يُخَالِفُ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّرْتِيلُ لِمَنْ تَسَاوَى فِي حَالِهِ الْأَمْرَانِ .