حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ

474
حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَأَنِيهَا فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْسِلْهُ ، ثُمَّ قَالَ : اقْرَأْ يَا هِشَامُ ، فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَكَذَا أُنْزِلَتْ ، ثُمَّ قَالَ لِي : اقْرَأْ ، فَقَرَأْتُهَا فَقَالَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ ؛ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ .
4
بَابُ مَا جَاءَفِي الْقُرْآنِ 472
474
( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ( عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ) بْنِ الْعَوَّامِ ، ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ ) بِلَا إِضَافَةٍ ( الْقَارِيِّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ، نِسْبَةً إِلَى الْقَارَةِ ، بَطْنٍ مِنْ خُزَيْمَةَ بْنِ مَدْرَكَةَ ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَعُدَّ فِي الصَّحَابَةِ لِكَوْنِهِ أُتِيَ بِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ صَغِيرٌ ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ ( أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَزَايٍ ، ابْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ الْقُرَشِيِّ الْأَسَدِيِّ ، صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ ، وَمَاتَ قَبْلَ أَبِيهِ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اسْتُشْهِدَ بَأَجْنَادِينَ ( يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ ) وَغَلِطَ مَنْ قَالَ سُورَةَ الْأَحْزَابِ ( عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَأَنِيهَا ) ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ أَنَّ اخْتِلَافَهُمَا كَانَ فِي حُرُوفٍ مِنَ السُّورَةِ لَا فِي السُّورَةِ كُلِّهَا ، وَهِيَ تَفْسِيرٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ ; لِأَنَّ سُورَةً وَاحِدَةً لَا تُقْرَأُ حُرُوفُهَا كُلُّهَا عَلَىسَبْعَةِ أَوْجُهٍ ، بَلْ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ تُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مِثْلَ : رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ( سُورَةُ سَبَأٍ : الْآيَةُ 19 ) وَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ( سُورَةُ الْمَائِدَةِ : الْآيَةُ 60 ) وَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ( سُورَةُ الْبَقَرَةِ : الْآيَةُ 70 ) وَ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 165 ) وَنَحْوُهُ ، ( فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْجِيمِ ، وَفِي رِوَايَةِ أُعَجِّلُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُشَدَّدَةٍ أَيْ أُخَاصِمُهُ وَأُظْهِرُ بَوَادِرَ غَضَبِي عَلَيْهِ ، ( ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ) مِنَ الصَّلَاةِ ، فَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ . وَأُسَاوِرُهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ؛ أَيْ آخُذُ بِرَأْسِهِ أَوْ أُوَاثِبُهُ ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ انْصَرِفُ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَمَا زَعَمَ الْكَرْمَانِيُّ ، ( ثُمَّ لَبَّبْتُهُ ) بِمُوَحَّدَتَيْنِ أُولَاهُمَا مُشَدَّدَةٌ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : التَّخْفِيفُ أَعْرَفُ ( بِرِدَائِهِ ) : أَيْ أَخَذْتُ بِمَجَامِعِهِ وَجَعَلْتُهُ فِي عُنُقِهِ وَجَرَرْتُهُ بِهِ لِئَلَّا يَنْفَلِتَ ، مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّبَةِ بِفَتْحِ اللَّامِ ; لِأَنَّهُ يَقْبِضُ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا فَعَلَ عُمَرُ ذَلِكَ اعْتِنَاءً بِالْقُرْآنِ وَذَبًّا عَنْهُ ، وَمُحَافَظَةً عَلَى لَفْظِهِ كَمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ عُدُولٍ إِلَى مَا تَجَوَّزَهُ الْعَرَبُ مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ .

زَادَ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ ؟ قَالَ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقُلْتُ : كَذَبْتَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ . وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْهُ لِظَنِّهِ أَنَّ هِشَامًا خَالَفَ الصَّوَابَ ، وَسَاغَ لَهُ ذَلِكَ لِرُسُوخِ قَدَمِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَسَابِقَتِهِ ، بِخِلَافِ هِشَامٍ فَإِنَّهُ مِنْ مُسْلَمَةِ الْفَتْحِ فَخَشِيَ أَنْ لَا يَكُونَ أَتْقَنَ الْقِرَاءَةَ ، وَلَعَلَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ حَدِيثَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ قَبْلَ ذَلِكَ ( فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا ) ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَرْسِلْهُ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ أَطْلِقْهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوكًا مَعَهُ ( ثُمَّ قَالَ : اقْرَأْ ) يَا هِشَامُ ، ( فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ) بِهَا ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَكَذَا أُنْزِلَتْ ، ثُمَّ قَالَ لِي : اقْرَأْ ) يَا عُمَرُ ( فَقَرَأْتُهَا ) ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي ( فَقَالَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ ) ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَطْيِيبًا لِقَلْبِ عُمَرَ : لِئَلَّا يُنْكِرَ تَصْوِيبَ الْأَمْرَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ : ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ) جَمْعُ حَرْفٍ ، مِثْلُ فَلْسٍ وَأَفْلُسٍ ( فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) أَيِ الْمُنَزَّلِ بِالسَّبْعَةِ ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حِكْمَةَ التَّعَدُّدِ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْقَارِئِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ تَفْسِيرُ الْأَحْرُفِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا عُمَرُ ، وَهِشَامٌ مِنْ سُورَةِ الْفُرْقَانِ ، نَعَمِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ دُونَهُمْ فِي أَحْرُفٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي التَّمْهِيدِ بِمَا يَطُولُ ، وَوَقَعَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِعُمَرَ مَعَ هِشَامٍ ، كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُورَةِ النَّحْلِ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي مَعَ رَجُلٍ فِي آيَةٍ مِنَ الْفُرْقَانِ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مَعَ رَجُلٍ فِي سُورَةٍ مِنْ آل حم ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ .

وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ رَفَعَهُ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ قَائِلًا : تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ بِالسَّبْعَةِ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ أَبُو شَامَةَ : يُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُ أُنْزِلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ كَجَذْوَةٍ وَالرَّهْبِ ، أَوْ أَرَادَ أُنْزِلَ ابْتِدَاءً عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ ثُمَّ زِيدَ إِلَى سَبْعَةٍ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهَا مَحْصُورَةٌ فِي السَّبْعَةِ ، وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْعَدَدِ ، بَلِ التَّسْهِيلَ وَالتَّيْسِيرَ وَالشَّرَفَ وَالرَّحْمَةَ وَخُصُوصِيَّةَ الْفَضْلِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَإِنَّ لَفْظَ سَبْعَةٍ يُطْلَقُ عَلَى إِرَادَةِ الْكَثْرَةِ فِي الْآحَادِ كَمَا يُطْلَقُ السَّبْعُونَ فِي الْعَشَرَاتِ وَالسَّبْعُمِائَةِ فِي الْمِئِينَ وَلَا يُرَادُ الْعَدَدُ الْمُعَيَّنُ ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَرُدَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِنَّ رَبِّي أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَلِلنَّسَائِيِّ : إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَلَى يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَلَى يَسَارِي ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ .

وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ : فَنَظَرْتُ إِلَى مِيكَائِيلَ فَسَكَتَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدِ انْتَهَتِ الْعِدَّةُ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ حَقِيقَةِ الْعَدَدِ وَانْحِصَارِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَكْثَرُهَا غَيْرُ مُخْتَارٍ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا أَثَرٌ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَانَ النَّحْوِيُّ : هَذَا مِنَ الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ الْحَرْفَ يَأْتِي لِمَعَانٍ لِلْهِجَاءِ وَلِلْكَلِمَةِ وَلِلْمَعْنَى وَالْجِهَةِ ، انْتَهَى .

وَأَقْرَبُهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعُ لُغَاتٍ ، وَعَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَثَعْلَبُ ، وَالزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ لُغَاتِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْصَحُهَا . وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعَةُ أَوْجَهٍ مِنَ الْمَعَانِي الْمُتَّفِقَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ نَحْوَ : أَقْبِلْ وَتَعَالَ وَهَلُمَّ وَعَجِّلْ وَأَسْرِعْ ، وَعَلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ وَهْبٍ وَخَلَائِقُ ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، لَكِنَّ الْإِبَاحَةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَقَعْ بِالتَّشَهِّي ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُغَيِّرُ الْكَلِمَةَ بِمُرَادِفِهَا مِنْ لُغَتِهِ ، بَلْ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ كُلٍّ مِنْ عُمَرَ وَهِشَامٍ : أَقْرَأَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَئِنْ سَلِمَ إِطْلَاقُ الْإِبَاحَةِ بِقِرَاءَةِ الْمُرَادِفِ وَلَوْ لَمْ يُسْمَعْ ، لَكِنَّ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ زَمَنَ عُثْمَانَ الْمُوَافِقَ لِلْعُرْضَةِ الْأَخِيرَةِ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَاخْتُلِفَ هَلِ السَّبْعَةُ بَاقِيَةٌ إِلَى الْآنِ يُقْرَأُ بِهَا أَمْ كَانَ ذَلِكَ ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى بَعْضِهَا ؟ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى الثَّانِي كَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَالطَّبَرِيِّ ، وَالطَّحَاوِيِّ ، وَهَلِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ أَمْ بَعْدَهُ ؟ الْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ وَاخْتَارَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُمْ ; لِأَنَّ ضَرُورَةَ اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَمَشَقَّةَ نُطْقِهِمْ بِغَيْرِ لُغَتِهِمُ اقْتَضَتِ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، فَأُذِنَ لِكُلٍّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى حَرْفِهِ ؛ أَيْ عَلَى طَرِيقَتِهِ فِي اللُّغَةِ حَتَّى انْضَبَطَ الْأَمْرُ ، وَتَدَرَّبَتِ الْأَلْسُنُ ، وَتَمَكَّنَ النَّاسُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَعَارَضَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَاسْتَقَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ فَنَسَخَ اللَّهُ تِلْكَ الْقِرَاءَةَ الْمَأْذُونَ فِيهَا بِمَا أَوْجَبَهُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا النَّاسُ . قَالَ أَبُو شَامَةَ : ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْمُرَادَ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَهْلِ .

وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : مَنْ ظَنَّ أَنَّ قِرَاءَةَ هَؤُلَاءِ كَعَاصِمٍ وَنَافِعٍ هِيَ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا عَظِيمًا ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ قِرَاءَتِهِمْ مِمَّا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَوَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ أَنْ لَا يَكُونُ قُرْآنًا ، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْقُرَّاءِ إِنَّمَا هُوَ حَرْفٌ وَاحِدٌ مِنَ السَّبْعَةِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث