بَاب مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ اسْتَدْنِينِي ، وَعِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ : يَا أَبَا فُلَانٍ هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا وَالدِّمَاءِ مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا فَأُنْزِلَتْ : عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾. 475 477 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ ) لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : ( أُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ) الْقُرَشِيِّ الْعَامِرِيِّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ عَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ ، وَهُوَ ابْنُ قَيْسِ بْنِ زَائِدَةَ بْنِ الْأَصَمِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : عَمْرُو بْنُ زَائِدَةَ نِسْبَةً لِجَدِّهِ ، وَيُقَالُ : كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ ، حَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ : اسْمُهُ عَمْرٌو ، وَاسْمُ أُمِّهِ أُمُّ مَكْتُومٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّةُ ، أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ ، وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِقَلِيلٍ . وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالسِّيَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْلَفَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ ، وَخَرَجَ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ فَشَهِدَ الْقِتَالَ فَاسْتُشْهِدَ ، وَقِيلَ : بَلْ شَهِدَهَا وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِهَا ، وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَفِيهِ نَزَلَ : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ( سُورَةُ النِّسَاءِ : الْآيَةُ 95 ) كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَ عَبَسَ وَتَوَلَّى ( سُورَةُ عَبَسَ : الْآيَةُ 1 ) ( جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِمَكَّةَ ( فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ) قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ نِدَائِهِ بِاسْمِهِ ; لِأَنَّهُ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ( اسْتَدْنِينِي ) بِيَاءٍ بَيْنَ النُّونَيْنِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ : اسْتَدْنِنِي بِحَذْفِهَا ، أَيْ أَشِرْ لِي إِلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْكَ أَجْلِسُ فِيهِ ( وَعِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ ) جَمْعُ عَظِيمٍ ( الْمُشْرِكِينَ ) وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى ، عَنْ أَنَسٍ ، وَلِابْنِ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَأَبَا جَهِلَ ، وَالْعَبَّاسَ .
وَلَهُ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ : وَهُوَ يُنَاجِي أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ ، وَحَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَاجِيُّ خِلَافًا فِي تَفْسِيرِ الْمُبْهَمِ ، وَزَادَ قَوْلًا أَنَّهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ( فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْرِضُ عَنْهُ ) ثِقَةً بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ ، لَا سِيَّمَا وَالَّذِي طَلَبَهُ مِنَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ لَا يَفُوتُ . فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَقَالَ : عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ( وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ ) رَجَاءَ إِسْلَامِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ إِسْلَامَ الْخَلْقِ ، إِذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْذَارِ وَبِالدُّعَاءِ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ( وَيَقُولُ : يَا أَبَا فُلَانٍ ) خَاطَبَهُ بِالْكُنْيَةِ اسْتِئْلَافًا ( هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ؟ فَيَقُولُ : لَا وَالدِّمَاءِ ) بِالْمَدِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ طَائِفَةٍ عَنْ مَالِكٍ بِضَمِّ الدَّالِّ أَيِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيُعَظِّمُونَ وَاحِدَتُهَا دُمْيَةٌ ، وَطَائِفَةٍ بِكَسْرِ الدَّالِّ أَيْ دِمَاءُ الْهَدَايَا الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَهَا بِمِنًى لِآلِهَتِهِمْ ، قَالَ تَوْبَةُ بْنُ الْحَيْرِ : عَلَيَّ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَانَ بَعْلُهَا يَرَى لِي ذَنَبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَا وَقَالَ آخَرُ : أَمَا وَدِمَاءِ الْمُزْجِيَاتِ إِلَى مِنًى لَقَدْ كَفَرَتْ أَسْمَاءُ غَيْرَ كَفُورِ ( مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا ) شِدَّةً ، بَلْ هُوَ رُوحُ الْأَرْوَاحِ ( فَأُنْزِلَتْ عَبَسَ وَتَوَلَّى ) أَعْرَضَ ( ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾) زَادَ أَبُو يَعْلَى ، عَنْ أَنَسٍ : فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُقْبِلًا بَسَطَ إِلَيْهِ رِدَاءَهُ حَتَّى يُجْلِسَهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتَخْلَفَهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ حَتَّى يَرْجِعَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : عَاتَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِي سُورَةِ عَبَسَ قَالَتْ : وَلَوْ كَتَمَ مِنَ الْوَحْيِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذَا . وَإِنَّمَا حَصَلَتْ صُورَةُ الْعِتَابِ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ طَاعَةً لِرَبِّهِ وَتَبْلِيغًا عَنْهُ وَاسْتِئْلَافًا لَهُ كَمَا شَرَعَهُ لَهُ ; لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ بِسَبَبِ عَمَاهُ اسْتَحَقَّ مَزِيدَ الرِّفْقِ ، وَالْمُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ إِعْلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ ذَلِكَ الْمُتَصَدِّيَ لَهُ لَا يَتَزَكَّى ، وَأَنَّهُ لَوْ كُشِفَ لَهُ حَالُ الرَّجُلَيْنِ لَاخْتَارَ الْإِقْبَالَ عَلَى الْأَعْمَى ، فَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّرْحِيبِ بِالْفُقَرَاءِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَعَدَمِ إِيثَارِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَفِي الْحَدِيثِ : الِاعْتِنَاءُ بِعِلْمِ السِّيَرِ وَمَا ارْتَبَطَ بِهَا مِنْ عِلْمِ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَمَتَى نَزَلَ وَفِي مَنْ نَزَلَ ، وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ .