حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ ، قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي ، قَالَ : فَقُلْتُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ ، قَالَ : فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا . 476 478 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) الْعَدَوِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ( عَنْ أَبِيهِ ) أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ ، ثِقَةٌ ، مُخَضْرَمٌ ، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةِ سَنَةٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) هُوَ سَفَرُ الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّصَالِ ; لِأَنَّ أَسْلَمَ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ مَوْصُولًا ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : هَذَا السِّيَاقُ صُورَتُهُ الْإِرْسَالُ ; لِأَنَّ أَسْلَمَ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عُمَرَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي أَثْنَائِهِ : قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي .

وَقَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى : سَمِعْتُ عُمَرَ . أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا إِلَّا ابْنَ عَثْمَةَ ، وَابْنَ غَزْوَانَ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ غَزْوَانَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، وَإِسْحَاقَ الْحُنَيْنِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَلَى الِاتِّصَالِ . ( وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا ) فَفِيهِ إِبَاحَةُ السَّيْرِ عَلَى الدَّوَابِّ لَيْلًا ، وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْ لَا يَمْشِي بِهَا نَهَارًا ، أَوْ قَلَّ مَشْيُهُ بِهَا نَهَارًا ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالرِّفْقِ بِهَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ .

( فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ) لِاشْتِغَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَحْيِ ( ثُمَّ سَأَلَهُ ) ثَانِيًا ( فَلَمْ يَجُبْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ ) ثَالِثًا ( فَلَمْ يَجُبْهُ ) وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ ( فَقَالَ عُمَرُ : ثَكِلَتْكَ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، أَيْ فَقَدَتْكَ ( أُمُّكَ ) يَا ( عُمَرُ ) فَهُوَ مُنَادَى بِحَذْفِ الْيَاءِ ، وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةٍ : دَعَا عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ الْإِلْحَاحِ خَوْفَ غَضَبِهِ وَحِرْمَانَ فَائِدَتِهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : فَمَا غَضِبَ عَالِمٌ إِلَّا حُرِمَتْ فَائِدَتُهُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : دَعَا عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَوْتِ ، وَالْمَوْتُ يَعُمُّ كُلَّ أَحَدٍ ، فَإِذًا : الدُّعَاءُ كَلَا دُعَاءٍ ( نَزَرْتَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ مُخَفَّفَةً فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ ( رَسُولَ اللَّهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ أَلْحَحْتَ عَلَيْهِ وَبَالَغْتَ فِي السُّؤَالِ ، أَوْ رَاجَعْتَهُ أَوْ أَتَيْتَهُ بِمَا يَكْرَهُ مِنْ سُؤَالِكَ .

وَفِي رِوَايَةٍ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ ، وَهُوَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ ، أَيْ أَقْلَلْتَ كَلَامَهُ إِذْ سَأَلْتَهُ مَا لَا يُحِبُّ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ ، وَالتَّخْفِيفُ هُوَ الْوَجْهُ ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ : سَأَلْتُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيتُ أَرْبَعِينَ فَمَا قَرَؤُوهُ قَطُّ إِلَّا بِالتَّخْفِيفِ ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُهيبُكَ ) فَفِيهِ أَنَّ سُكُوتَ الْعَالِمِ يُوجِبُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ تَرْكَ الْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ لَهُ أَنْ يَسْكُتَ عَمَّا لَا يُرِيدُ أَنْ يُجِيبَ فِيهِ ( قَالَ عُمَرُ : فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ أَمَامَ ) بِالْفَتْحِ ، قُدَّامَ ( النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ ) بِشَدِّ الْيَاءِ ( قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ فَفَوْقِيَّةٍ ، فَمَا لَبِثْتُ وَمَا تَعَلَّقْتُ بِشَيْءٍ ( أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا ) لَمْ يُسَمَّ ( يَصْرُخُ بِي قَالَ ) عُمَرُ ( فَقُلْتُ : لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ ) قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ يُؤْنِسُهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ ( قَالَ ) عُمَرُ : ( فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ) بَعْدَ رَدِّ السَّلَامِ ( لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ ) بِلَامِ التَّأْكِيدِ ( أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ) لِمَا فِيهَا مِنَ الْبِشَارَةِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَفْعَلُ قَدْ لَا يُرَادُ بِهَا الْمُفَاضَلَةُ ( ثُمَّ قَرَأَ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٌ ، وَالْبَرَاءُ : هُوَ فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَوُقُوعُ الصُّلْحِ . قَالَ الْحَافِظُ : فَإِنَّ الْفَتْحَ لُغَةً فَتْحُ الْمُغْلَقِ ، وَالصُّلْحُ كَانَ مُغْلَقًا حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ فَتْحِهِ صَدُّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ ، فَكَانَتِ الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ ضَيْمًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالْبَاطِنَةِ عِزًّا لَهُمْ ، فَإِنَّ النَّاسَ لِلْأَمْنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِمُ اخْتَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَأَسْمَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ وَنَاظَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جَهْرَةً آمِنِينَ ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا خُفْيَةً فَظَهَرَ مَنْ كَانَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ ، فَذَلَّ الْمُشْرِكُونَ مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا الْعِزَّةَ وَقُهِرُوا مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا الْغَلَبَةَ ، وَقِيلَ : هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ ، نَزَلَتْ مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةَ عِدَةً لَهُ بِفَتْحِهَا ، وَأُتِيَ بِهِ مَاضِيًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفَخَامَةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِ الْمُخْبَرِ بِهِ مَا لَا يَخْفَى ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى قَضَيْنَا لَكَ قَضَاءً بَيِّنًا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ تَدْخُلَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ قَابِلًا مِنَ الْفُتَاحَةِ وَهِيَ الْحُكُومَةُ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ مِنَ الْآيَاتِ . فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ ( سُورَةُ الْفَتْحِ : الْآيَةُ 1 ) فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الصُّلْحِ مِنَ الْأَمْنِ وَرَفْعِ الْحَرْبِ ، وَتَمَكُّنُ مَنْ كَانَ يَخْشَى الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَالْوُصُولَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْهُ ، وَتَتَابُعُ الْأَسْبَابِ إِلَى أَنْ كَمُلَ الْفَتْحُ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا فَالْمُرَادُ فَتْحُ خَيْبَرَ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( سُورَةُ النَّصْرِ : الْآيَةُ 1 ) ، وَقَوْلُهُ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَفَتْحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ ، فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وَتَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ تَعْرِيفًا بِأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي الْأَحْيَانِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَمَا يَعْرِضُ ، انْتَهَى . وَلِإِفَادَةِ أَنَّ مِنْهُ لَيْلِيٌّ .

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث