حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ

حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا ، فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ . 492 495 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ ، ( عَنِ الْأَعْرَجِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ أَوْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ ) مُسْتَجَابَةٌ ( يَدْعُو بِهَا ) بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ مَقْطُوعٌ فِيهَا بِالْإِجَابَةِ وَمَا عَدَاهَا عَلَى رَجَاءِ الْإِجَابَةِ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ وَلَا وَعْدٍ . وَبِهَذَا أُجِيبَ عَنْ إِشْكَالٍ ظَاهِرُهُ بِمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُجَابَةِ وَلَا سِيَّمَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِأَنَّ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ دَعَوَاتِ كُلِّ نَبِيٍّ ، وَلَهُمْ دَعَوَاتٌ أُخْرَى ، وَبِأَنَّ مَعْنَاهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ عَامَّةٌ مُسْتَجَابَةٌ فِي أُمَّتِهِ إِمَّا بِإِهْلَاكِهِمْ وَإِمَّا بِنَجَاتِهِمْ .

وَأَمَّا الدَّعَوَاتُ الْخَاصَّةُ فَمِنْهَا مَا يُسْتَجَابُ وَمِنْهَا مَا لَا يُسْتَجَابُ . وَقِيلَ : لِكُلٍّ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ تَخُصُّهُ لِدُنْيَاهُ أَوْ لِنَفْسِهِ كَقَوْلِ نُوحٍ : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ( سُورَةُ نُوحٍ : الْآيَةُ 26 ) ، وَقَوْلِ زَكَرِيَّا : رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 38 ) ، وَقَوْلِ سُلَيْمَانَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ( سُورَةُ ص : الْآيَةُ 35 ) حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ أُمْنِيَةً يَتَمَنَّى بِهَا ; لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ نَبِيُّنَا أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُجَابُ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا دَعْوَةً وَاحِدَةً ، وَمَا يَكَادُ أَحَدٌ يَخْلُو مِنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ إِذَا شَاءَ رَبُّهُ ، قَالَ تَعَالَى : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ( سُورَةُ الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 41 ) وَقَالَ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ لَا تُرَدُّ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ .

وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَا مِنْ دَاعٍ إِلَّا كَانَ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِمَّا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ فِيمَا دَعَا ، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ مِثْلُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ . وَجَاءَ فِي سَاعَةِ الْجُمُعَةِ لَا يَسْأَلُ فِيهَا عَبْدٌ رَبَّهُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ . وَقَالَ فِي الدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، وَعِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعِنْدَ الْغَيْثِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ أَنَّهَا أَوْقَاتٌ تُرْجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدُّعَاءِ .

( فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فَهَمْزَةٍ ، أَيْ أَدَّخِرَ ( دَعْوَتِي ) الْمَقْطُوعَ بِإِجَابَتِهَا ( شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ ) فِي أَهَمِّ أَوْقَاتِ حَاجَتِهِمْ ، فَفِيهِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ وَاعْتِنَاؤُهُ بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ ، جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ بِدَعْوَتِهِ الْمُجَابَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا أَيْضًا دُعَاءً عَلَيْهِمْ كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : هَذَا مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّهُ جَعَلَ الدَّعْوَةَ فِيمَا يَنْبَغِي ، وَمِنْ كَثْرَةِ كَرَمِهِ ; لِأَنَّهُ آثَرَ أُمَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمِنْ صِحَّةِ نَظَرِهِ ; لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِمْ أَحْوَجَ إِلَيْهَا مِنَ الطَّائِعِينَ ، هَذَا وَقَوْلُ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ : جَمِيعُ دَعَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مُجَابَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ دَعَا عَلَى أُمَّتِهِ بِالْإِهْلَاكِ إِلَّا أَنَا فَلَمْ أَدْعُ فَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ لِلصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ .

وَالْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ لَا أُمَّةُ الْإِجَابَةِ ، تَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَعَلَى أُنَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَدَعَا عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَمُضَرَ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً تُسْتَجَابُ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فَنَالَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا فَإِنَّهُ لَمَّا دَعَا عَلَى بَعْضِ أَمَتِهِ نَزَلَ عَلَيْهِ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 128 ) فَأَبْقَى تِلْكَ الدَّعْوَةَ الْمُسْتَجَابَةَ مُدَّخَرَةً لِلْآخِرَةِ . وَغَالِبُ مَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ لَمْ يُرِدْ إِهْلَاكَهُمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ رَدْعَهُمْ لِيَتُوبُوا . قَالَ : وَأَمَّا جَزْمُهُ أَوَّلًا بِأَنَّ جَمِيعَ أَدْعِيَةِ الْأَنْبِيَاءِ مُجَابَةٌ فَغَفْلَةٌ عَنِ الْحَدِيثِ : سَأَلْتُ اللَّهَ ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً .

الْحَدِيثَ ، انْتَهَى . وَفِيهِ إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ( سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : الْآيَةُ 79 ) هُوَ الشَّفَاعَةُ فِي الْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ جُلُوسُهُ عَلَى الْعَرْشِ .

وَرُوِيَ عَنْهُ كَالْجَمَاعَةِ فَصَارَ إِجْمَاعًا ، وَقَدْ صَحَّ نَصًّا عَنِ النَّبِيِّ ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ مُتَوَاتِرَةٌ صِحَاحٌ مِنْهَا : شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي . وَقَالَ جَابِرٌ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ وَلَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، انْتَهَى .

وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ بِهِ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِهِ ، فَلِمَالِكٍ فِيهِ إِسْنَادَانِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث