بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَقَدْتُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ : أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَبِكَ مِنْكَ ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ . 497 500 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ) تَيْمِ قُرَيْشٍ ( أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِهِ ، وَهُوَ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ . وَطَرِيقُ الْأَعْرَجِ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ( قَالَتْ : كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفَقَدْتُهُ ) بِفَتْحِ الْقَافِ ، وَفِي رِوَايَةٍ افْتَقَدْتُهُ ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنَى لَمْ أَجِدْهُ ( مِنَ اللَّيْلِ ) وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ : وَكَانَ مَعِيَ عَلَى فِرَاشِي ( فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي ) وَفِي رِوَايَةٍ : فَالْتَمَسْتُهُ فِي الْبَيْتِ ، وَجَعَلْتُ أَطْلُبُهُ بِيَدِي ( فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : وَهُمَا مُنْتَصِبَتَانِ ( وَهُوَ سَاجِدٌ ) وَفِيهِ أَنَّ اللَّمْسَ بِلَا لَذَّةٍ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَاحْتِمَالُ أَنَّهُ كَانَ فَوْقَ حَائِلٍ خِلَافَ الْأَصْلِ فَسَمِعْتُهُ ( يَقُولُ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : اللَّهُمَّ إِنِّي ( أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ) أَيْ بِمَا يُرْضِيكَ مِمَّا يُسْخِطُكَ ، فَخَرَجَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ بِإِقَامَةِ حُرْمَةِ مَحْبُوبِهِ ، فَهَذَا لِلَّهِ ، ثُمَّ الَّذِي لِنَفْسِهِ قَوْلُهُ : ( وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ) وَفِي إِضَافَتِهَا كَالسَّخَطِ إِلَيْهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى جَوَازِ إِضَافَةِ الشَّرِّ إِلَيْهِ تَعَالَى كَالْخَيْرِ ، وَاسْتَعَاذَ بِهَا بَعْدَ اسْتِعَاذَتِهِ بِرِضَاهُ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْضَى مِنْ جِهَةِ حُقُوقِهِ ، وَيُعَاقِبَ عَلَى حُقُوقِ غَيْرِهِ ( وَبِكَ مِنْكَ ) قَالَ عِيَاضٌ : تَرَقٍّ مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى مُنْشِئِ الْأَفْعَالِ مُشَاهَدَةً لِلْحَقِّ وَغَيْبَةً عَنِ الْخَلْقِ الَّذِي هُوَ مَحْضُ الْمَعْرِفَةِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْهُ قَوْلٌ وَلَا يَضْبُطُهُ وَصْفٌ ، فَهُوَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ ، وَقَطْعُ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِهِ وَإِفْرَادُهُ بِالِاسْتِعَانَةِ وَغَيْرِهَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ ; لِأَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ ، وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، وَالرِّضَا وَالسَّخَطُ ضِدَّانِ كَالْمُعَافَاةِ وَالْعُقُوبَةِ ، فَلَمَّا ذَكَرَ مَا لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْرَ ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَارُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي بُلُوغِ الْوَاجِبِ مِنْ عِبَادَتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَلِذَا قَالَ : ( لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ لَا أَبْلُغُ الْوَاجِبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : أَيْ لَا أُحَصِّلُ ثَنَاءً لِعَجْزِي عَنْهُ إِذْ هُوَ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا ، وَهَكَذَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا أَعُدُّ كَمَا فِي الصِّحَاحِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَاءِ الْعَدُّ بِالْحَصَى كَمَا قَالَ : وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ نَفْيِ الْمَلْزُومِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْإِحْصَاءِ الْمُفَسَّرِ بِالْعَدِّ وَإِرَادَةِ نَفْيِ اللَّازِمِ ، وَهُوَ اسْتِيعَابُ الْمَعْدُودِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : لَا أَسْتَوْعِبُ ، فَالْمُرَادُ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الثَّنَاءَاتِ ، أَوْ فَرْدٌ مِنْهَا يَفِي بِنِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ لَا عَدِّهَا ، إِذْ لَا يُمْكِنُ عَدُّ أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الثَّنَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَإِنِ اجْتَهَدْتُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ فَلَنْ أُحْصِيَ نِعَمَكَ وَمِنَنَكَ وَإِحْسَانَكَ . ( أَنْتَ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( كَمَا أَثْنَيْتَ ) أَيِ الثَّنَاءُ عَلَيْكَ هُوَ الْمُمَاثِلُ لِثَنَائِكَ ( عَلَى نَفْسِكَ ) وَلَا قُدْرَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَنْتَ تَأْكِيدٌ لِلْكَافِ مِنْ عَلَيْكَ بِاسْتِعَارَةِ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُتَّصِلِ ، وَالثَّنَاءُ بِتَقْدِيمِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالْمَدُّ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ لُغَةً ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الشَّرِّ مَجَازٌ . وَقَالَ الْمَجْدُ : وَصْفٌ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ خَاصٌّ بِالْمَدْحِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ وَصْفَهُ وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى بُلُوغِ حَقِيقَتِهِ ، وَرَدُّ الثَّنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ وَالتَّعْيِينِ ، فَوَكَّلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِصِفَاتِهِ لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الثَّنَاءَ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ ، فَكُلُّ شَيْءٍ أَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ وَإِنْ كَثُرَ وَطَالَ وَبُولِغَ فِيهِ ، فَقَدْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ ، وَسُلْطَانُهُ أَعَزُّ ، وَصِفَاتُهُ أَكْثَرُ وَأَكْبَرُ ، وَفَضْلُهُ أَوْسَعُ وَأَسْبَغُ .