بَاب النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغِ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدٍ بِهِ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالسَّمَاعِ . وَرَوَى زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَأَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ حَدِيثًا آخَرَ فِي الْوِتْرِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، فَوُرُودُ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ هَذَيْنِ عَنْ شَيْخِ مَالِكٍ بِمِثْلِ رِوَايَتِهِ ، وَمُتَابَعَةُ الْأَرْبَعَةِ لَهُ ، وَتَصْرِيحُ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا بِالسَّمَاعِ يَدْفَعُ الْجَزْمَ بِوَهْمِ مَالِكٍ فِيهِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَفِيهِ إِفَادَةُ أَنَّ زُهَيْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِتَصْرِيحِهِ بِالسَّمَاعِ ، فَلَيْسَ بِخَطَأٍ كَمَا زَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِيلَ مَعْنَاهُ مُقَارَنَةُ الشَّيْطَانِ لَهَا عِنْدَ دُنُوِّهَا لِلطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : ( فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا ) وَمَا بَعْدَهُ ، فَنُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِذَلِكَ ، وَقِيلَ : مَعْنَى قَرْنِهِ قُوَّتُهُ مِنْ قَوْلِكَ : أَنَا مُقْرِنٌ لِهَذَا الْأَمْرِ أَيْ مُطِيقٌ لَهُ قَوِيٌّ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَقْوَى أَمْرُهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ; لِأَنَّهُ يُسَوِّلُ لِعَبَدَةِ الشَّمْسِ أَنْ يَسْجُدُوا لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ، وَقِيلَ قَرْنُهُ حِزْبُهُ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ ، وَقِيلَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يُقَابِلُهَا عِنْدَ طُلُوعِهَا وَيَنْتَصِبُ دُونَهَا حَتَّى يَكُونَ طُلُوعُهَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ ، وَهُمَا جَانِبَا رَأْسِهِ ، فَيَنْقَلِبُ سُجُودُ الْكُفَّارِ لِلشَّمْسِ عِبَادَةً لَهُ ، ( ثُمَّ اسْتَوَتْ قَارَنَهَا ) بِالنُّونِ ، ( فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا ) بِالْقَافِ ، وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ : وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَلَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ : حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ حَتَّى يَعْدِلَ الرُّمْحُ ظِلَّهُ ، وَلِابْنِ مَاجَهْ ، وَالْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَتَّى تَسْتَوِيَ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِكَ كَالرُّمْحِ ، فَإِذَا زَالَتْ فَصَلِّ ، وَلِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ بِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ، وَقَالَ مَالِكٌ بِالْجَوَازِ مَعَ رِوَايَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ، أَوْ رَدَّهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ : مَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْفَضْلِ إِلَّا وَهُمْ يَجْتَهِدُونَ وَيُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ ، انْتَهَى . وَالثَّانِي أَوْلَى أَوْ مُتَعَيِّنٌ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ بِلَا شَكٍّ إِذْ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مَشَاهِيرُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ فَقَدِ اعْتَضَدَ بِأَحَادِيثِ عُقْبَةَ وَعَمْرٍو ، وَقَدْ صَحَّحَهُمَا مُسْلِمٌ كَمَا رَأَيْتَ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا ) بِنُونٍ تَلِيهَا هَاءٌ ( فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا ) بِقَافٍ قَبْلَ الْهَاءِ ( وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ ) الثَّلَاثِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ فِي الطَّرَفَيْنِ وَكَرَاهَةٍ فِي الْوَسَطِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي النَّافِلَةِ لَا الْفَرِيضَةِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِالْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مَنْسُوخَةٌ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدَ وَابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ ، وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ الْمَنْعُ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مَنْعُ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِجَوَازِ الْفَرَائِضِ وَمَا لَهُ سَبَبٌ مِنَ النَّوَافِلِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَحْرُمُ الْجَمِيعُ سِوَى عَصْرِ يَوْمِهِ ، وَتَحْرُمُ الْمَنْذُورَةُ أَيْضًا ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ : يَحْرُمُ النَّوَافِلُ دُونَ الْفَرَائِضِ .