بَاب الْمَشْيِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ . قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : الْحُفَّاظُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ثَلَاثَةٌ : مَالِكٌ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، فَإِذَا اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَخَالَفَهُمَا الْآخَرُ تَرَكْنَا قَوْلَهُ . ( وَالْخُلَفَاءُ ) بَعْدَهُمْ ، وَدَخَلَ فِيهِمْ عَلِيٌّ ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ مَشَى خَلْفَ جَنَازَةٍ وَالْعُمْرَيْنِ أَمَامَهُمَا ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : فَضْلُ الْمَاشِي خَلْفَهَا عَلَى الْمَاشِي أَمَامَهَا كَفَضْلِ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى النَّافِلَةِ ، وَأَنَّهُمَا لَيَعْلَمَانِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمَا سَهَّلَا عَلَى النَّاسِ ، وَأَنَّهُ قَالَ : إِذَا شَهِدْتَ جَنَازَةً فَقَدِّمْهَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَإِنَّهَا مَوْعِظَةٌ وَتَذْكِرَةٌ وَعِبْرَةٌ .
وَخَبَرُ أَبِي جُحَيْفَةَ مَرْفُوعًا : الْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ ، وَلَيْسَ يَتْبَعُهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا ، وَخَبَرُ : امْشُوا خَلْفَ الْجَنَازَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذِهِ أَحَادِيثُ وَفِيَّةٌ لَا يَقُومُ بِأَسَانِيدِهَا حُجَّةٌ ، وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِي ذَلِكَ ، وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَكْثَرُ عَنْهُمْ وَهُوَ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : كُلُّ ذَلِكَ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ شَيَّعَ جَنَازَةً وَصَلَّى عَلَيْهَا كَانَ لَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ ، وَمَنْ قَعَدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ وَالْقِيرَاطُ كَأُحُدٍ وَلَمْ يَخُصَّ الْمَاشِيَ خَلْفَهَا أَوْ أَمَامَهَا .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ : لَا يَقُولُ أَحَدٌ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ هَلِ الْمَشْيُ أَمَامَهَا مَشْرُوعٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ . وَعَلَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ النَّاسَ شُفَعَاءُ لَهُ ، وَالشَّفِيعُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الْمَشْفُوعِ لَهُ ، أَوْ مَمْنُوعٌ ، وَالسُّنَّةُ الْمَشْيُ خَلْفَهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . ( هَلُمَّ جَرًّا ) قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : مَعْنَاهُ سِيرُوا عَلَى هِينَتِكُمْ أَيْ تَثَبَّتُوا فِي سَيْرِكُمْ وَلَا تُجْهِدُوا أَنْفُسَكُمْ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَرِّ وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ تَرْعَى فِي السَّيْرِ ، قَالَ : وَنَصْبُ جَرًّا عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ، وَالتَّقْدِيرُ هَلُمَّ جَارِينَ أَيْ مُتَثَبِّتِينَ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ ; لِأَنَّ فِي هَلُمَّ مَعْنَى جَرَّ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : جُرُّوا جَرًّا ، أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ ، زَادَ أَبُو حَيَّانَ ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَهُ عَابِدُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : فَإِنْ جَاوَزْتُ مُقْفِرَةً رَمَتْ بِي إِلَى أُخْرَى كَتِلْكَ هَلُمَّ جَرَّا وَفِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَنَطَقَ ابْنُ شِهَابٍ بِهِ ، وَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ الْفُصَحَاءِ مَا يَدْفَعُ تَوَقُّفَ ابْنِ هِشَامٍ فِي كَوْنِهِ عَرَبِيًّا مَحْضًا ، وَنَقَلَ السُّيُوطِيُّ هُنَا كَلَامَهُ بِرُمَّتِهِ ( وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) كَانَ أَيْضًا يَمْشِي أَمَامَهَا ، وَكَانَ مِنْ أَتْبَعِ النَّاسِ لِلسُّنَّةِ .